بعد 6 سنين

واقف برّه، واللي جوليان رجع بيه في نص الليل، هو نفسه الراجل اللي كان بيقابل أبويا قبل وفاته؟!
بصيت لأمي وسألتها بصوت واطي
ماما، إنتِ متأكدة؟ يمكن تكوني غلطانة!
هزت راسها بقوة، والدموع بدأت تنزل من عينيها.
مستحيل أنساه يا ناتالي. الراجل ده جه بيتنا كذا مرة قبل ما أبوكي يموت. وفي آخر مرة، سمعت أبوكي بيعلي صوته عليه، وبيقوله إنه مش هيسمح له ياخد حاجة مش من حقه.
في اللحظة دي، هاريسون طلب مننا نبعد عن الباب، وقال إنه هو اللي هيتكلم مع الزائر.
فتح الباب فتحة صغيرة، ووقف قدامه.
الراجل ابتسم ابتسامة باردة وقال
مساء الخير. أنا جاي أقابل جوليان، وآخد مستند خاص بيا.
هاريسون رد بثبات
مفيش أي مستند هيتسلّم لأي شخص قبل ما نعرف هويته، ونفهم طبيعة مطالبته، ونتأكد من حقه القانوني.
الراجل ضحك وقال
إنت شكلك مش فاهم الموقف. أنا مش جاي أطلب إذن من حد.
وبعدين مد إيده لجوليان، اللي كان واقف وراه، وأخد منه ورقة مطوية.
فتحها وبص فيها، وبعدها رفع عينه ناحيتي مباشرة.
إنتِ ناتالي، صح؟
قلتله أيوه. وإنت مين؟
رد من غير تردد
اسمي فيكتور هيل. ووالدك كان مدين لي بوعد من سنين طويلة، والوعد ده لسه متنفذش.
بصيت لأمي، لقيتها حاطة إيدها على صدرها وبتتنفس بسرعة.
قلتله بغضب
أبويا مات من سنين. ولو عندك أي مطالبة، تقدر تقدمها بالطريقة القانونية. لكن مش هتدخل بيتي وتطالبني بحاجة من غير دليل.
ابتسم فيكتور وقال
كلامك صحيح. وعشان كده أنا جاي ومعايا دليل.
رفع الحقيبة الجلد اللي في إيده، وفتحها شوية.
كان جواها ملف كبير، مربوط بشريط أحمر، وعلى الغلاف مكتوب اسم أبويا بالكامل.
أمي شهقت، وهمست
ده نفس الملف اللي كان أبوكي بيدوّر عليه قبل ما يتوفى!
في اللحظة دي، جوليان تدخل بسرعة وقال
فيكتور، إحنا اتفقنا إنك هتتكلم معايا أنا الأول!
فيكتور لف ناحيته، وبصله ببرود.
أنا استنيت كتير يا جوليان. وإنت وعدتني إن المستند الأصلي هيكون معاك الليلة.
جوليان بلع ريقه وقال
أنا هجيبه، بس مش قدامهم.
ابتسم فيكتور ابتسامة ساخرة.
إنت قلتلي نفس الكلام من شهر، ومن أسبوع، ومن يومين. كفاية تأجيل.
أنا كنت واقفة براقبهم، وكل كلمة بتكشف لي إن فيه اتفاق بينهم، وإن جوليان كان بيخبي عني حاجة أكبر بكتير من مجرد السيطرة على البيت.
هاريسون طلب منهم يوضحوا طبيعة المستند، لكن فيكتور رفض يسلّمه أو يشرح تفاصيله قبل ما يتأكد من بعض الأمور.
وبعد نقاش طويل، وافق هاريسون على إنه يستلم نسخة من الملف للمراجعة، بشرط إن كل حاجة تتوثق، وإن مفيش أي اعتراف بحقوق مالية أو ملكية قبل فحص المستندات.
فيكتور وافق على مضض.
دخلنا الصالة، وقعدنا حوالين الترابيزة الكبيرة.
فتح هاريسون الملف بحذر، وبدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.
كان فيه عقود قديمة، وخطابات، وكشوف حسابات، وصور لمستندات رسمية.
لكن فجأة، وقف عند ورقة معينة، وفضل يقرأها بصمت.
وبعدين رجع لأول الصفحة، وقرأها مرة تانية.
سألته بقلق
فيه إيه يا هاريسون؟
رفع عينيه وقال
فيه اتفاق قديم بين والدك وشخص تاني، لكن الورقة دي لوحدها مش كفاية عشان نعرف طبيعة الاتفاق بالكامل. محتاجين المستند الأصلي اللي كانت والدتك بتتكلم عنه.
فيكتور خبط بإيده على الترابيزة وقال
بالضبط! وأنا مش همشي قبل ما آخده.
هاريسون رد بحزم
مش من حقك تاخد أي حاجة لمجرد إنك بتطالب بيها. لازم نتحقق من ملكيتها وصحتها الأول.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت لما كلوي، اللي كانت قاعدة ساكتة طول الوقت، مدت إيدها وأخدت ورقة من آخر الملف.
وشها اتغير، وعينيها اتسعت من الصدمة.
همست
يا إلهي… مش معقول!
بصيتلها وسألتها
إيه اللي شوفتيه؟
ما ردتش. فضلت باصة للورقة، وبعدها رفعت عينيها ناحية جوليان.
إنت كنت عارف؟
جوليان وقف فجأة.
رجعي الورقة مكانها يا كلوي!
لكنها ضمت الورقة لصدرها وقالت بصوت مرتعش
إنت قلتلي إن ناتالي مالهاش أي علاقة بالموضوع! وإن كل اللي بتعمله مجرد محاولة عشان نقدر نفضل في البيت!
حسيت إن قلبي بيخبط بعنف.
كلوي، اتكلمي! إيه اللي في الورقة؟
كلوي بصتلي، والدموع نزلت على خدودها.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الصالة كلها تسكت
ناتالي… اسمك موجود في الاتفاق القديم، لكن مش بالطريقة اللي جوليان كان بيحاول يقنعنا بيها!
قربت منها وخطفت نظرة للورقة.
كان اسمي مكتوب بوضوح، وتحته تاريخ يرجع لسنين قبل ما أشتري البيت.
لكن اللي صدمني أكتر، إن الورقة كانت بتشير إلى مستند تاني، موقّع من أبويا قبل وفاته بأيام قليلة.
سألت هاريسون
إيه معنى الكلام ده؟ هل أبويا كان مخبي عني حاجة؟
هاريسون أخد نفس عميق، وقال
مقدرش أديكي إجابة مؤكدة قبل ما أشوف المستند الأصلي. لكن فيه حاجة لازم نعرفها فورًا مين اللي كان محتفظ بالأوراق دي كل السنين دي، وليه ظهرت دلوقتي؟
لفيت ناحية فيكتور.
كان ساكت، وابتسامته اختفت تمامًا.
أما جوليان، فكان باصص للباب كأنه بيفكر يهرب.
وفجأة، أمي وقفت من مكانها، واستندت على الترابيزة، وقالت بصوت حاسم عمرنا ما سمعناه منها قبل كده
أنا عارفة المستند الأصلي فين.
كلنا بصينا لها.
كملت وهي بتبص لفيكتور مباشرة
أبو ناتالي ماكانش بيثق في حد غيري. وقبل ما يموت، اداني مفتاح صغير، وقالي لو حد جه يومًا يدور على الورق ده، ما أسلّموش لحد غير بنتي.
وبعدين طلعت من جيبها سلسلة قديمة، كان متعلق فيها مفتاح نحاسي صغير.
لكن قبل ما تمد إيدها ليا، فيكتور وقف بسرعة وقال
استني يا مارثا! لو فتحتي المكان ده، فيه حاجات كتير هتتغير… وإنتِ مش مستعدة تعرفي كل الحقيقة!
أمي بصتله من غير خوف وقالت
أنا عشت سنين خايفة منكم. كفاية لحد كده.
وبعدين حطت المفتاح في إيدي.
لكن أول ما هاريسون شاف العلامة المحفورة على المفتاح، سحب كرسيه لورا وقال بصدمة
يا إلهي… المفتاح ده مش بتاع صندوق عادي. ده مفتاح خزنة خاصة، ولو اللي في بالي صحيح، فاللي جواها ممكن يفسّر كل اللي حصل من البداية!
وبص لأمي وسألها
مدام مارثا، هل تعرفي الخزنة دي موجودة فين؟
أمي هزت راسها ببطء، وقالت
أيوه… لكن فيه مشكلة.
سألناها كلنا في نفس اللحظة
إيه هي؟
بصت ناحية جوليان، وبعدها قالت
الخزنة موجودة في مكان جوليان عنده إمكانية يدخل له… ولو عرف إن المفتاح مع ناتالي، ممكن يسبقنا ويوصل للحقيقة قبلنا!
يتبع…
أول ما أمي قالت إن جوليان يقدر يوصل للخزنة قبلنا، هاريسون وقف فورًا وقال
محدش هيتحرك من هنا قبل ما نفهم الخزنة دي فين، وإيه علاقتها بالمستندات اللي معانا.
جوليان كان واقف جنب الباب، ووشه متوتر بشكل واضح، لكنه حاول يضحك وقال
إنتوا مصدقين الكلام ده بجد؟ خزنة إيه ومفتاح إيه؟ دي ست كبيرة وممكن تكون فاكرة حاجات غلط!
أمي بصتله، ولأول مرة ما وطّتش عينيها قدامه.
قالت بحزم
أنا يمكن أكون كبرت يا جوليان، لكن عقلي لسه فاكر كل حاجة. وإنت أكتر واحد عارف إني مش بكذب.
جوليان سكت.
أما أنا، فمسكت المفتاح وقلت
ماما، الخزنة موجودة فين؟
أمي اترددت شوية، وبعدها قالت
في مخزن قديم تحت مكتب أبوكي السابق. المكان ده كان تابع لشركته، وقفل من سنين بعد وفاته. أبوكي كان بيحتفظ فيه بأوراق مهمة، وقال لي إن الخزنة مش هتتفتح غير لما ييجي اليوم اللي أحتاج فيه أحميك.
استغربت كلامها.
تحميني من إيه يا ماما؟ أنا كنت صغيرة وقتها!
أمي دموعها نزلت، وقالت
وده اللي عمري ما فهمته. أبوكي كان خايف عليكي من حاجة، لكنه رفض يقول لي تفاصيلها.
هاريسون طلب منها تحاول تفتكر اسم الشركة أو عنوان المخزن.
أمي طلعت من شنطتها ورقة قديمة كانت محتفظة بيها، وكتبت عليها عنوان في وسط أوستن.
هاريسون راجع العنوان على موبايله، وبعدها قال
المكان لسه موجود، لكن قبل ما نروح لازم نتأكد مين عنده حق الدخول، وهل الخزنة فعلًا تخص والدك.
فيكتور، اللي كان ساكت طول الوقت، ضحك فجأة.
إنتوا فاكرين إن الموضوع بالسهولة دي؟ المكان ده اتقفل من سنين، ومش أي حد يقدر يدخله.
بصيتله باستغراب.
إنت عارف المكان؟
اتردد لحظة، وبعدها قال
كنت شريك والدك في بعض الأعمال، وطبيعي أكون عارف ممتلكاته القديمة.
هاريسون رفع عينه من الورق وسأله
لو كنت شريكه، يبقى أكيد عندك مستندات تثبت طبيعة الشراكة دي، صح؟
فيكتور ما ردش.
وبدل ما يجاوب، بص لجوليان نظرة سريعة، كأن بينهم كلام محدش غيرهم فاهمه.
في اللحظة دي، فهمت إن جوليان ماكانش بيتصرف لوحده، وإن فيكتور عنده معلومات كان مخبيها عننا كلنا.
لكن هاريسون رفض يتحرك بناءً على الشكوك، وأصر إن أي خطوة لازم تكون قانونية، وإننا ما نحاولش ندخل المخزن من غير تصريح أو موافقة صاحب الحق.
وبعد مكالمات ومراجعة بعض الأوراق، قدر يحدد إن فيه جهة مسؤولة عن إدارة المكان، وإننا هنحتاج ننسق معاها عشان نتحقق من الخزنة.
تاني يوم الصبح، رجعنا للبيت.
كنت فاكرة إن جوليان وكلوي هيكونوا مشيوا، لكن اتفاجئت إن جوليان لسه موجود، وبيتكلم في التليفون بصوت واطي في الجنينة.
أول ما شافني، قفل المكالمة بسرعة.
قلتله
إنت لسه هنا ليه؟
رد ببرود مصطنع
أنا مش هسيب البيت لمجرد إنك رجعتي فجأة وقررتي تقلبي الدنيا. أي إجراء يخص وجودي هنا هيتعمل بالطريقة القانونية.
هاريسون كان وضحلي إن ملكيتي للبيت لا تعني إني أقدر أتجاهل الإجراءات القانونية الخاصة بإخراج المقيمين فيه، حتى لو ماكانش فيه عقد إيجار. وده خلاني أقرر إني ما أتصرفش بعصبية، وأسيب كل خطوة للمحامي.
قلت لجوليان
تمام. كل حاجة هتم بالقانون. لكن من اللحظة دي، مفيش حد هيتعرض لماما، ومفيش أي مستند هيختفي من غير ما نعرف.
جوليان ابتسم ابتسامة باردة.
إنتِ لسه مش فاهمة اللي إنتِ داخلة عليه يا ناتالي.
وسابني وطلع على المكتب.
بعدها بدقايق، كلوي جتلي وهي ماسكة موبايلها، ووشها متوتر.
قالت
ناتالي، محتاجة أوريكي حاجة، بس أوعي تقولي لجوليان إني وريتهالك.
فتحتلي صورة لرسالة قديمة كانت محفوظة عندها.
الرسالة كانت من جوليان لفيكتور، وتاريخها يرجع لقبل ما أرجع من دبي بأسبوع.
وكان مكتوب فيها
كل حاجة جاهزة. أول ما ناتالي ترجع، هنقدر نخلص الموضوع. المهم إن الورقة الأصلية ما تظهرش قبل ما ناخد موافقتها.
حسيت بصدمة شديدة.
سألتها
موافقتي على إيه؟!
كلوي هزت راسها وقالت
مش عارفة. لكن فيه رسالة تانية بعدها بيوم، جوليان طلب من فيكتور يتأكد إن أمي مش هتتكلم عن اللي حصل زمان.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
اللي حصل زمان؟ تقصدي إيه؟
كلوي بصت ناحية المكتب، وبعدها قربت مني وهمست
أنا بدأت أشك إن موضوع البيت مجرد جزء من حكاية أكبر. جوليان كان بيسألني كتير عن أوراق أبوكي، وعن أي حاجة فاكرينها من أيام الشركة.
وقبل ما أقدر أسألها سؤال تاني، سمعنا صوت باب المكتب بيتقفل بعنف.
طلعنا نجري ناحية الممر، لكن جوليان كان خرج من الباب الخلفي.
وعلى المكتب، لقينا ورقة صغيرة كان سايبها وراه.
هاريسون أخدها وقرأها بصوت عالي
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، اسألوا مارثا عن آخر أسبوع في حياة زوجها.
بصيت لأمي، اللي كانت واقفة في آخر الممر.
وشها اتغير تمامًا.
قربت منها وقلت
ماما… إيه اللي حصل في آخر أسبوع قبل وفاة بابا؟
أمي بدأت تعيط، وحاولت تقعد على الكرسي.
أنا ما كنتش عايزة أفتكر الأيام دي تاني يا بنتي.
مسكت إيدها وقلت
مش هسيبك لوحدك. احكيلي.
فضلت ساكتة لحظات طويلة، وبعدها قالت
قبل وفاة أبوكي بثلاث أيام، رجع البيت متأخر جدًا،

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *