انا دكتور جراح

قدر يتكلم.
لأن توماس، اللي كنا لسه بنحاول نفهم دوره في موت إيميلي، كان دلوقتي واقف في المستشفى، وبيطلب ياخد صوفي!
يا ترى توماس رجع فعلًا عشان يحمي صوفي، ولا فيه سبب تاني مخبيه؟ وإيه الورقة اللي غيّرت تاريخ عيلتنا؟ وليه إيميلي حذرتني من المستشفى القديم؟
والأهم…
هل هقدر أوصل للحقيقة قبل ما أفقد صوفي هي كمان؟
يتبع…
النهاية الحقيقة اللي اتدفنت سنين، والسر اللي رجّع العيلة لبعض!
أول ما سمعت إن توماس واقف في المستشفى وعايز ياخد صوفي، حسيت إن قلبي هيتوقف.
صرخت في التليفون
محدش يسلّم البنت لأي حد قبل ما أوصل! حتى لو معاه ألف ورقة!
قفلت المكالمة، وبصيت لدانيال وقلتله
يلا! لازم نلحق صوفي قبل ما يحصل أي حاجة.
تحركنا بسرعة ناحية المستشفى، وطول الطريق كنت بفكر في أخويا اللي صدقت إنه مات، وفي بنتي اللي عاشت وماتت وهي شايلة أسرار عمرها ما قدرت تحكيهالي.
لما وصلنا، جريت ناحية غرفة صوفي.
لقيتها قاعدة على السرير، والممرضة جنبها، وقدام باب الغرفة واقف راجل شعره أبيض ووشه مرهق، لكنه كان نفس الوش اللي فضلت سنين طويلة أشوفه في أحلامي.
توماس… أخويا الأصغر!
وقفنا قصاد بعض، ومحدش فينا اتكلم لثواني.
وبعدين قلتله بصوت مليان غضب ووجع
إنت عايش؟! إنت كنت عايش طول السنين دي، وسايبني أعيش على إنك مت؟!
نزل عينيه للأرض وقال
روبرت، أنا عارف إن مفيش كلام يقدر يصلح اللي عملته فيك، بس أرجوك اديني فرصة أشرحلك.
صرخت فيه
تشرحلي إيه؟! إنت اختفيت من حياتنا، ورجعت من غير ما تقولي، وبنتي ماتت وهي مخبية عني أسرار بسببك! ودلوقتي جاي تاخد حفيدتي؟!
هز راسه بسرعة.
أنا مش جاي أخطف صوفي، ولا جاي آخدها غصب عن حد. أنا جاي أحميها، زي ما وعدت إيميلي.
وبعدين طلع من جيبه ظرف قديم، ومدهولي.
دي الحقيقة اللي كان لازم تعرفها من زمان.
فتحت الظرف، ولقيت جواه مستندات قديمة، وصورة لأمي، وورقة مكتوبة بخط إيميلي.
لكن اللي شد انتباهي كان مستند رسمي يخص وفاة توماس.
بعد ما راجعت الأوراق، اكتشفت إن أخويا كان اتعرض لحادثة فعلًا من سنين، لكنه نجا منها، ودخل المستشفى باسم مختلف بسبب ظروف قانونية معقدة كان بيحاول يحلها.
وبعدها، بدل ما يرجع لبيته، اختار يختفي عن العيلة بسبب خلافات قديمة وخوفه من مواجهة الماضي.
قلتله بمرارة
يعني إنت كنت تقدر ترجع، لكن اخترت تسيبنا نصدق إنك مت؟
دموعه نزلت وهو بيرد
أيوه، وأنا غلطت. ومهما حاولت أبرر، مش هقدر أرجع السنين اللي ضاعت. لكن لما إيميلي عرفت إني عايش، هي اللي أصرت نتقابل، وكانت عايزة تصلح اللي بينا.
سألته
طيب، إيه علاقة صوفي بكل ده؟ وإيه الورقة اللي إيميلي كانت بتدور عليها؟
بص ناحية صوفي، وبعدها رجع بصلي.
أمنا قبل ما تموت كانت سايبة مستندات تخص ملكية أرض قديمة، الأرض دي كانت مسجلة باسم العيلة، لكن بعد وفاتها حصل تلاعب في الأوراق، واتنقلت الملكية بطريقة غير قانونية. أنا كنت بحاول أثبت الحقيقة، ولما رجعت، اكتشفت إن فيه مستند أصلي يثبت حقوق العيلة.
استغربت وقلت
وإيميلي كانت عارفة؟
رد
أيوه. لكنها اكتشفت إن الموضوع أكبر من مجرد أرض وفلوس. فيه ناس كانت بتحاول تستغل أوراق صوفي عشان تضغط عليها وتخليها تتنازل عن حقوقها في الميراث.
بصيتله بصدمة.
يعني كل اللي حصل كان بسبب الميراث؟
قال
جزء كبير من المشكلة كان بسبب الطمع، لكن إيميلي كانت خايفة على صوفي من إنها تكبر وسط صراعات الكبار. عشان كده حاولت تحميها، وخبت بعض الأوراق، وطلبت مني أساعدها.
في اللحظة دي، صوفي نادت بصوت ضعيف
عمو توماس؟
لف ناحيتها، وعينيه اتمَلَت بالدموع.
قرب منها بحذر وقال
أيوه يا حبيبتي، أنا هنا.
سألته
إنت كنت تعرف ماما إيميلي؟
ابتسم بحزن وقال
كنت أعرفها، وكانت بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
صوفي بصتله شوية، وبعدها قالت
طيب، هي هترجع؟
السؤال ده كسر قلبي.
قعدت جنبها، ومسكت إيدها الصغيرة، وقلت
لأ يا حبيبتي، ماما مش هترجع، لكن حبها ليكي عمره ما هيروح. وإحنا هنفضل جنبك ونحكيلك عنها كل يوم.
صوفي بدأت تعيط، ففضلت جنبها لحد ما هديت.
وفي اللحظة دي، فهمت إن البنت الصغيرة دي محتاجة عيلة تحميها أكتر من احتياجها لأي إجابات عن الماضي.
بعد يومين، اجتمعنا أنا ودانيال وتوماس وسيباستيان، وراجعنا كل المستندات.
سيباستيان قدر يوصل لنسخة أصلية من أوراق الملكية، وقدمها للجهات المختصة للتحقيق في التلاعب اللي حصل.
أما ملف حادثة إيميلي، فطلبنا إعادة مراجعته، خصوصًا بعد ظهور معلومات جديدة عن تحركات بعض الأشخاص قبل الحادثة وبعدها.
لكن التحقيق ما أثبتش إن الحادثة كانت مدبرة، ولا قدرنا نثبت إن شخصًا بعينه كان السبب فيها.
الحقيقة اللي اتأكدنا منها كانت إن إيميلي عاشت فترة طويلة تحت ضغط وخوف، وإنها كانت بتحاول تحمي بنتها وتصلح مشاكل العيلة قبل ما تموت.
أما توماس، فاعترف إنه غلط لما اختار الاختفاء، ووافق يتعاون مع التحقيقات، ويساعد في استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بصوفي.
وبالنسبة لدانيال، اتضح إنه كان بيحاول يساعد إيميلي في الإجراءات الخاصة بالبنت، لكنه احتفظ ببعض المعلومات لنفسه خوفًا من تعقيد الوضع، وده خلّى الشكوك تكبر حواليه.
واجهته وقلتله
كان ممكن توفر علينا سنين من العذاب لو اتكلمت من البداية.
رد بحزن
كنت فاكر إن السكوت هيحمي صوفي، لكن فهمت متأخر إن الأسرار ساعات بتوجع أكتر من الحقيقة نفسها.
مرت شهور، وبدأت حياة صوفي تستقر.
وبعد ما خرجت من المستشفى وتعافت، بقيت أزورها كل يوم، لحد ما بقينا قريبين جدًا.
كنت باخدها الحديقة، وأقعد أحكيلها عن أمها وهي صغيرة، وعن حفيدتي لوسي، وعن أيام العيلة اللي كانت مليانة ضحك.
وفي يوم، وهي قاعدة جنبي، طلعت من شنطتها نجمة معدنية صغيرة، نفس النجمة اللي لقيناها في دبدوب لوسي.
قالتلي
جدو، ماما كانت بتحب النجمة دي أوي، صح؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا حبيبتي. كانت شايفاها رمز للأمل، وكانت مؤمنة إن حتى لو الدنيا ضلمت، لازم نفضل ندور على النور.
سكتت شوية، وبعدها سألتني
طيب، إنت هتفضل معايا؟
بصيت في عينيها، وحسيت إن الحياة أخيرًا بتديني فرصة أعوض جزء من اللي خسرته.
قلت لها
هفضل جنبك يا صوفي، وهعمل كل اللي أقدر عليه عشان تبقي بخير.
وبالفعل، بدأت إجراءات الوصاية القانونية، وبعد مراجعة ظروفها ومصلحة الطفلة، حصلت على الوصاية عليها، وبقت تعيش معايا في بيتي.
رجعت أسمع صوت خطوات صغيرة في الممر، وألاقي ألعاب على الأرض، وأشم ريحة الكاكاو الصبح.
ولأول مرة من 3 سنين، البيت مبقاش موحش زي الأول.
لكن أكتر لحظة عمري ما هنساها، كانت يوم عيد ميلاد صوفي الخامس.
جبتلها تورتة عليها نجمة صغيرة، وطلبت منها تتمنى أمنية قبل ما تطفي الشمع.
غمضت عينيها، وتمنت أمنيتها، وبعدها فتحت عينيها وقالتلي
أنا اتمنيت إن ماما تكون عارفة إني مبسوطة.
حسيت بدموعي بتنزل، فابتسمت وقلتلها
أنا متأكد إنها كانت هتفرح بيكي أوي.
وفي الليلة دي، بعد ما صوفي نامت، طلعت صورة إيميلي من الدرج، وقعدت أبص فيها طويلًا.
قلت لها بصوت واطي
سامحيني يا بنتي إني معرفتش إنك كنتي شايلة كل الوجع ده لوحدك. سامحيني إني كنت بعيد عنك في وقت كنتي محتاجة فيه حد يسمعك.
وبعدين حطيت جنب صورتها صورة جديدة ليا مع صوفي.
وقتها فهمت إن إنقاذ حياة صوفي في غرفة العمليات مكنش نهاية الحكاية، لكنه كان بداية فرصة جديدة لينا إحنا الاتنين.
أنا قدرت أنقذها من الموت، وهي قدرت ترجعلي جزء من الحياة اللي فقدتها يوم ماتت أمها.
أما توماس، فبدأ يحاول يصلح علاقته بيا، لكن رجوع الثقة بينا احتاج وقت طويل، لأن فيه جروح مش بتتعالج بمجرد الاعتذار.
ومع الوقت، اتعلمنا إن العيلة مش معناها إننا عمرنا ما نغلط، لكن معناها إننا نتحمل مسؤولية أخطائنا، ونحاول نصلحها قبل ما نخسر بعض للأبد.
ومن يومها، بقيت مؤمن إن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تظهر، وإن الحب الحقيقي مش إننا نخبي كل حاجة عن اللي بنحبهم بحجة حمايتهم… الحب الحقيقي إننا نديهم فرصة يعرفوا الحقيقة، ويختاروا بنفسهم إزاي يواجهوا الحياة.
وأكتر حاجة اتعلمتها من إيميلي وصوفي، إننا ممكن نخسر ناس غالية من غير ما نكون مستعدين، لكن ده مش معناه إن حياتنا انتهت.
أحيانًا، وسط أكبر وجع بنعيشه، بتظهر فرصة جديدة تخلينا نبدأ من الأول.
تمت النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *