من خمس سنين

دقيقة كنت أراجع اللي حصل.
نهى.
كريم.
الرجالة.
الطفل.
الشاليه.
الكاميرات.
والمفتاح.
المفتاح كان أهم حاجة.
مين عمل نسخة المفتاح؟
نهى قالت إنها ما تعرفش.
كريم كان عارف.
يبقى مين اللي كان بيدخل؟
وأثناء الطريق، تليفوني وصلته رسالة.
مش من كريم.
مش من نهى.
من رقم مجهول.
إنتي لو وصلتي قبل الساعة ٩، هتلحقيه.
بصيت للساعة.
٨٢٣.
حسيت بدقات قلبي.
كتبت
ألحق مين؟
الرسالة اتقرت.
ما ردش.
بعت
إنت مين؟
الرد جاء
الشخص اللي كان المفروض يكلمك من خمس سنين.
خمس سنين.
أنا اشتريت الشاليه من خمس سنين.
يعني الموضوع بدأ من وقت ما اشتريته؟
لا.
مستحيل.
لكن الرسالة التالية وصلت قبل ما ألحق أفكر
الشاليه ما كانش اختيارك.
أنا فرملت فجأة.
العربية اللي ورايا ضړبت كلاكس.
رجعت اتحركت.
لكن دماغي كانت وقفت.
إزاي؟
أنا اللي اشتريت الشاليه.
أنا اللي اخترت المكان.
أنا اللي دفعت الفلوس.
ولا مرة حد قال لي إن فيه حاجة غريبة.
ولا مرة.
وصلت الساحل.
كانت الساعة ٨٥٧.
دخلت القرية.
من بعيد شفت تجمع العربيات.
العيد ميلاد المفروض كان بدأ.
لكن مفيش موسيقى.
مفيش ضحك.
مفيش أي صوت احتفال.
كل الناس كانت واقفة بعيد عن الشاليه.
نزلت من العربية.
أول واحدة شافتني كانت نهى.
جريت عليا.
مسكت دراعي.
إنتي جيتي!
قلت
فين كريم؟
بصت وراها.
جوه.
إزاي؟
دخل.
إمتى؟
من عشر دقايق.
بصيت للشاليه.
الباب كان مفتوح.
أنا اتجمدت.
إنتي قلتي إن الباب مقفول.
قالت
هو اتفتح.
إزاي؟
نهى ما ردتش.
بصيت على الكالون الجديد.
كان مكسور.
مش متفتح.
مكسور.
حد كسره بالقوة.
قلت
فين الولد؟
نهى قربت مني.
وقالت بصوت منخفض
فوق.
وكريم؟
فوق.
والراجل؟
وشها تغير.
أي راجل؟
قلت
اللي كان واقف وراكي.
نهى سكتت.
نهى، أنا شوفته.
قالت
ده مش راجل.
أنا بصيت لها.
أمال إيه؟
قالت
ده…
وقبل ما تكمل، سمعنا صوت من جوه الشاليه.
صوت حاجة وقعت.
وبعدين صوت طفل پيصرخ
ماما!
نهى مسكت إيدي بقوة.
وقالت
ما تدخليش.
لكن أنا سحبت إيدي منها.
دخلت.
الشاليه كان مظلم.
الصالون متبهدل.
الكراسي مقلوبة.
الكاسات مکسورة.
لكن أكتر حاجة شدتني…
كانت ريحة غريبة.
ريحة مطهر قوية.
بصيت للمطبخ.
كل الأكل اللي كان متجهز للحفلة مرمي.
البوفيه مفتوح.
الأطباق مکسورة.
وعلى الأرض…
كان فيه أثر ډم.
نقطة.
وبعدين نقطة.
وبعدين خط صغير ممتد ناحية السلم.
أنا بصيت لنهى.
هي كانت بټعيط.
قلت
كريم فوق؟
هزت راسها.
طلعت أول درجة.
ثم الثانية.
صوت الطفل كان اختفى.
الدور التاني كان أهدى من اللازم.
مش هدوء طبيعي.
هدوء يخوف.
مشيت في الممر.
باب أوضة النوم مفتوح.
دخلت.
السرير مقلوب.
الدولاب مفتوح.
الشباك مفتوح.
والستارة بتتحرك.
مفيش طفل.
مفيش كريم.
مفيش حد.
بصيت تحت السرير.
فاضي.
فتحت الحمام.
فاضي.
رجعت للممر.
نهى كانت واقفة آخره.
وشها أبيض.
قلت
الولد فين؟
قالت
كان هنا.
كان؟
آه.
يعني اختفى؟
هزت راسها.
هو مش بيختفي.
قلت
أمال فين؟
نهى رفعت إيدها.
وأشارت لباب صغير في آخر الممر.
باب ما كنتش أعرف إنه موجود.
قلت
ده إيه؟
قالت
مخزن.
من إمتى؟
من زمان.
فتحت الباب.
كان ضيق.
فيه كراتين قديمة.
أثاث متخزن.
ملايات.
شنط.
لكن في آخره…
كان فيه باب تاني.
باب حديد صغير.
أنا بصيت لنهى.
قالت
ما تفتحيهوش.
ليه؟
عشان هو هناك.
قربت.
حطيت إيدي على المقبض.
سمعت صوت نفس.
من الناحية التانية.
صوت طفل.
ضعيف.
ماما…
أنا فتحت الباب.
وفي اللحظة دي…
صړخت نهى.
لأن الباب ما كانش وراه مخزن.
كان وراه سلم.
سلم نازل لتحت.
لتحت الشاليه.
لمكان ما كنتش أعرف إنه موجود أصلًا.
نزلت أول درجة.
وبعدين سمعت صوت كريم.
ما تنزليش.
رفعت عيني.
كان واقف تحت.
وشه متبهدل.
وفي إيده مفتاح.
قلت
إنت عملت إيه؟
قال
أنا بحاول أحميكي.
ضحكت.
تحميني من إيه؟
سكت.
وبعدين قال
من الحقيقة.
قلت
أنا عايزة الحقيقة.
قال
الحقيقة دي ممكن تدمرنا.
إنت دمرتني أصلًا.
نزلت درجة.
ثم درجة.
كريم رجع خطوة.
ارجعي.
فين الولد؟
مش هنا.
كذاب.
والله مش هنا.
وفجأة…
سمعت صوت الطفل من آخر السلم.
ماما…
كريم غمض عينيه.
أنا بصيت له.
هو بيناديني ليه؟
قال
عشان هو فاكر إنك…
وسكت.
فاكر إيه؟
ما ردش.
أنا نزلت آخر درجة.
وصلت لقبو صغير تحت الشاليه.
كان المكان مختلف تمامًا.
حيطان خرسانة.
ترابيزة.
كرسي.
كاميرات قديمة.
ملفات.
صور.
و…
سرير أطفال.
أنا وقفت.
على الحيطة قدامي كانت معلقة صور.
صور ليا.
أنا في فرحي.
أنا وأنا بشتري الشاليه.
أنا على البحر.
أنا مع كريم.
أنا في شغلي.
صور اتصورت من غير ما أعرف.
قلت بصوت مخڼوق
مين كان بيراقبني؟
كريم ما ردش.
قربت من الصور.
في آخر الحيطة…
كانت صورة لطفل.
نفس الطفل اللي شوفته فوق.
وتحت الصورة…
تاريخ.
من خمس سنين.
يوم شراء الشاليه.
أنا بصيت لكريم.
إنت كنت تعرفه من يومها؟
قال
أيوه.
مين ده؟
كريم بدأ يبكي.
ابني.
أنا حسيت إني مش سامعة صح.
إنت قلت مش ابنك.
أنا قلت لك إنه مش ابننا.
إنت قلت إنه مش ابنك.
سكت.
كريم…
هو بص للصورة.
وقال
هو ابني فعلًا.
أنا رجعت خطوة.
مين أمه؟
ما ردش.
سألته تاني
مين أمه؟
رفع عينه ليا.
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت نهى فوق بتصرخ.
كريم!
هو اتلفت.
وأنا بصيت ناحية السلم.
صوت خطوات نازلة بسرعة.
نهى كانت بتجري.
لكنها ما كانتش لوحدها.
وراها…
كان فيه شخص.
نفس
الشخص اللي شوفته في الكاميرا.
نهى وصلت عندنا.
وقفت ورا كريم.
والرجل وقف على آخر السلم.
بص لي.
وأنا بصيت له.
ولأول مرة شفت وشه بوضوح.
وشي اتجمد.
لأن الرجل ده…
كان شبه كريم.
شبهه بشكل يخوف.
مش مجرد شبه عادي.
نفس العينين.
نفس الأنف.
نفس شكل الفك.
كريم بص له.
وبعدين بص لي.
وقال
هو مش ابني لوحدي.
أنا ما فهمتش.
الرجل ابتسم.
وقال
أنا أخوه.
نهى بدأت ټعيط.
أما أنا…
فبصيت للطفل اللي كان واقف في آخر القبو.
كان مستخبي ورا السرير.
طلع خطوة.
وبعدين خطوة.
رفع عينه لي.
وقال
ماما…
أنا بصيت له.
ثم للرجل.
ثم لكريم.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي كنت فاكرة إنه مجرد تعدي على ملكيتي…
كان غطاء لحكاية بدأت قبل ما أشتري الشاليه أصلًا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن الشخص اللي كان واقف قدامي، وأخوه كريم، ونهى…
كلهم كانوا بيخفوا عني سر واحد.
سر له علاقة بيا أنا.
وبطفل عمره خمس سنين.
والسر ده…
كان مكتوب في ملف فوق الترابيزة.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت نتيجة تحليل.
وتحتها اسمي كامل.
أنا ما قدرتش أتنفس.
لأن التاريخ المكتوب على الورقة…
كان قبل جوازي من كريم بسنة كاملة.
رفعت عيني ببطء.
إيه ده؟
ولا واحد رد.
قلبت الصفحة.
ورقة تانية.
ثم صورة.
ثم شهادة.
ثم تقرير طبي.
وفي آخر الصفحة…
جملة واحدة مكتوبة بخط يد كريم
لو هي عرفت الحقيقة، لازم تعرف إن الطفل ده ابنها.
أنا وقعت الورقة من إيدي.
وبصيت للولد.
الولد كان لسه بيبص لي.
وبعدين ابتسم.
وقال
أخيرًا جيتي يا ماما.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب الشاليه الرئيسي بيتقفل فوقنا.
ثم صوت مفتاح بيتلف في القفل.
نهى صړخت
إحنا اتحبسنا!
كريم جري ناحية السلم.
لكن أخوه وقف قدامه.
وقال بهدوء
المرة دي… محدش هيخرج قبل ما هي تعرف كل حاجة.
وبص لي.
ثم قال
لأن اللي حصل من خمس سنين… ما كانش صدفة.
وساعتها…
انطفأت كل الأنوار.
وطلع صوت بكاء الطفل في الضلمة.
ثم صوت امرأة من فوق السلم…
امرأة أنا كنت متأكدة إني أعرف صوتها.
وقالت
وسام… متصدقيش كريم.
أنا اتجمدت.
لأن الصوت كان…
صوت أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *