قبل الولادة 1

فجأة ساد السكون الشديد في الصالة، وأنا واقفة متسمرة في مكاني والدموع نازلة من عيني على خدي زي المطر، وأمي ماسكة صدرها ومش قادرة تاخد نفسها من الصدمة. كنت مستنية أبويا ينفجر، أو يرفع صوته، أو حتى ياخد بعضه ويمشي مرفوع الراس من البيت اللي صاحبه قليل ذوق بالشكل ده. لكن أبويا، بشيبته وهيبته، حط إيده في جيبه ببرود تام، وطلع محفظته، وطلع منها 3 تلاف جنيه عدّهم على مهله، وحطهم على الترابيزة قدام عادل.

عادل بص للفلوس بنظرة انتصار وبصلي بزهو كأنه أثبت إنه صح، لكن أبويا حط رجل على رجل، وبص له بعينين فيها كمية قسوة وكسرة عين عمر عادل ما شافها في حياته، وقال بصوت واطي جداً بس هز جدران الصالة:

“الفلوس اهي يا عادل يا ابن أصول.. الـ 3 تلاف جنيه اللي إنت شايف إننا ‘لطشناهم’ منك عشان بنتك وابنك أكلوا وشاربوا في بيت أبوها. بس تعالى بقى نحسبها صح وبـ الورقة والقلم، طالما إنت راجل بتعرف الأصول وتعرف الحساب. أنا راجل على المعاش، صح، بس أصولي ومقامي يشيلوا بلد..

أولاً: بنتي قعدت عندي 20 يوم قبل وبعد الولادة. اللقمة اللي أكلتها هي وأختها وأمها عشان يقدروا يقفوا على حيلهم ويخدموها ويخدموا ابنك اللي صريخه كان جايب آخر الشارع، من خير بيت أبوها، والـ 3 تلاف جنيه دول، بنتك صرفتهم بالمليم على لبن وابن أصلي مبيجيبش لبن، ومستلزمات طبيب ودكاترة ومصاريف علاج كانت المفروض تخرج من جيبك إنت مش من جيب حد تاني.

ثانياً بقى.. الفلوس دي حق أكل وشرب بنتي وابنك؟ تمام. أنا بقى لي عندك حساب تاني خالص.. مركز الولادة اللي إنت زعلان إنه أخد 10 تلاف جنيه؟ أنا اللي دفعت منه 5 تلاف جنيه حجز وتأمين من جيبي الخاص قبل ما تسافر وما رضيتش أقولك عشان ما أشيلكش الهم، وكان معايا الفواتير وراميتها في بيت أهلي عشان مكسفكش قدام مرتك.

وثانياً: أختها وأمها اللي سهروا 20 ليلة على إيد ابنك يرقوه ويخدموه، والمواصلات والأدوية اللي كنت بنزل أشتريها في نص الليل برجلي عشان علاج مرتك اللي إنت سايبها ومسافر تلم قرشين.. دول حسابهم كام يا ابن الناس؟”

عادل أول ما سمع كلام أبويا عن الـ 5 تلاف جنيه بتوع التأمين والفواتير، وشه اتحول مية لون، عينيه وسعت وبص للترابيزة بذهول، وحاول يتكلم ويقول: “بس يا عمي أنا..”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *