طلقت وانا حامل

طلقت وأنا حامل في الشهر الثالث وهو بيقول بكل برود ابصمي وانجزي، أنا مستعجل. حطيت السونار في شنطتي، وبصمت من غير ما أنطق بحرف، واختفيت من حياته خالص. بعد عشر سنين، طلع على المسرح عشان يسلم جائزة لولد عبقري… من غير ما يعرف إنه بيمسك إيد ابنه اللي من صلبه، لحد ما رفع عينه وشافني قاعدة بين الجمهور.
الجزء الأول
ابصمي أخلصي يا مريم. أنا ورايا مطار رايح أجيب حد مستنيني بجد.
الجملة دي كانت كل اللي محتاجة أسمعه عشان أتأكد إن جوازنا ماټ من شهور، حتى لو كنت لسه بكابر ومش عايزة أصدق.
قدامي على التربيزة، رمى أحمد القبالي ورقة الطلاق. بقالنا ست سنين متجوزين. وأنا كنت حامل في أواخر الشهر التالت.
وهو مكنش يعرف أي حاجة.
جوه شنطتي كان في ظرف أبيض فيه أول صورة سونار للي بطني. كنت متخيلة إني هطلعها له بعد ما نبصم. حتى كنت متخيلة شكله وهو بيسمع إن بعد كل السنين دي واللي كنا بنقول فيها بكرة ييجي ولد، اليوم ده جه أخيرًا.
بس تليفونه رن.
وعلى الشاشة ظهر اسم حافظاه كويس أوي.
فرح.
حب زمان.
البنت اللي أهله طول عمرهم بيتكلموا عنها وكأني مجرد فترة مؤقتة خدت مكان كان المفروض يبقى بتاعها هي.
أحمد رد في ساعتها.
أيوه، أنا خلاص بخلص اهو… لا متقلقيش، طالع عليكِ على طول.
نبرة صوته اتغيرت تمامًا. بقت دافية، حنينة، وفيها هدوء.
الصوت اللي اختفى معايا أنا من زمان.
قفل السكة وشاور على الورق.
شقة المقطم مكتوبة باسمك. والعربية كمان. وهسيبلك ثلاث ملايين جنيه كاش. مش عايز مشاكل ولا ۏجع دماغ بعدين.
قريت البند اللي بعده
يقر الطرفان أنه لم ينتج عن هذا الزواج أي أطفال.
إيدي أتقفلت جامد على الشنطة.
هو أنت مستعجل أوي كده بجد؟
أحمد اتنهد بزهق.
مريم، بلاش شغل الأطفال ده.
أنا بس بأسأل.
فرح رجعت مصر بعد سبع سنين. لوحدها ومحتاجة حد جنبها.
ابتسمت بحزن حتى هو مخدش باله منه.
تمام. هي محتاجاك.
متعمليش دراما.
بصيت له لآخر مرة وأنا مراته.
هو أنت عمرك حبني؟
وشه اتغير وبان عليه القرف.
بلاش أسئلة مالهاش لازمة.
في اللحظة دي، أي أمل إن أطلع صورة السونار اتدفن.
بصمت.
مريم الشناوي.
كلمتين نهوا ست سنين جواز.
أحمد خد الورق، وقف، وخد نفس طويل زي واحد كان شايل حمل وتقيل ونزل من على كتافه.
أتمنى لك التوفيق.
وأنا كمان.
مقولتلوش إن ابننا بقاله إحدى عشر أسبوع في بطني.
مقولتلوش إني سمعت نبض قلبه إمبارح بالليل.
مقولتلوش أي حاجة خالص.
أول ما الباب اتقفل، طلعت السونار وقعدت أعيط لحد ما دموعي جفت.
بعد تلات شهور عزلت ورُحت طنطا.
وبعد ست شهور اتولد يوسف.
كان واخد نفس عينين أحمد الغامقة، والدقن المقسومة، ومع الوقت حتى نفس الحركة لما يضايق ويكشر لو حاجة مظبطتش معاه من أول مرة.
أنا بنيت حياتي من جديد.
فتحت مكتب صغير لتصميم المساحات التعليمية والحضانات. اشتغلت، وربيت ابني، وعمري ما جبت سيرة أبوه بكلمة وحشة.
لما كان يوسف بيسألني، كنت بأقوله
ييجي اليوم اللي تعرف فيه الحكاية كلها، وقتها أنت اللي تقرر هتعمل إيه.
عدت يجي عشر سنين.
وفجأة يوسف كسب منحة عشان يدرس في مدرسة كبيرة ومشهورة في القاهرة، وخد المركز الأول في مسابقة علوم للأطفال بعد ما عمل مشروع هايل لتجميع مية المطر.
يوم التكريم، كنت قاعدة في أول صف.
المدير مسك الميكروفون وقال
بيشرفنا النهاردة نرحب بالممول الرئيسي للمعمل الجديد بتاعنا، واللي تبرع بتمانين مليون جنيه للمشروع ده.
الباب الجانبي للقاعة اتفتح.
إيديا إتلمدت في مكانها.
أحمد القبالي دخل وسط تصفيق الناس.
مكنش شافني.
طلع على المسرح ووافق يسلم الجائزة بنفسه.
المركز الأول يوسف الشناوي.
ابني مشي بثقة وطلعله.
أحمد ابتسم، مسك شهادة التقدير ورفع عينه.
وفي اللحظة دي، شاف وش يوسف.
الابتسامة اختفت من على وشة تمامًا.
نفس العينين.
نفس المناخير.
نفس الدقن.
أحمد نفس قطع منه.
أنت اسمك إيه؟ قالها بهمس
يوسف الشناوي.
عندك كام سنة؟
تسع سنين.
شوفته وهو بيحسبها في سرّه.
وبعدها بدأ يدور بعنيه بين الحضور لحد ما عينيه جت عليا.
عنينا اتقابلت لأول مرة من عشر سنين.
وفهمت من وشه اللي بقى أبيض زي الملاية، إنه خلاص فهم كل حاجة.
بس أنا وقتها مكنتش أتوقع أبداً إيه اللي هيحصل بعد لحظات…
يتبع…
حكايات_محمد٠نور
ابصمي يا مريم… أخلصي.
رفعت عيني من على ورقة الطلاق، وبصيت لأحمد وأنا مش مصدقة هدوءه.
كان قاعد قدامي كأنه بيخلص ورق شقة أو عقد بيع، مش بينهي ست سنين جواز.
حط القلم قدامي وقال
أنا مستعجل، عندي طيارة بعد ساعتين.
بصيت للورقة تاني.
اسمي.
اسمه.
وتحتهم كلمة واحدة كانت كفاية تهد كل حاجة
طلاق.
حطيت إيدي على شنطتي الصغيرة اللي كانت جنبي، وجواها ظرف أبيض.
الظرف اللي كنت جايبة معايا مخصوص.
جواه أول صورة سونار لجنيني.
ابننا.
كنت داخلة المكتب وأنا متخيلة إننا هنمشي من هنا بإيدين ماسكين بعض.
كنت هقوله
أحمد… أنا حامل.
كنت متخيلة الفرحة في عينيه.
لكن من ساعة ما دخلنا، وهو ساكت.
وأنا مش فاهمة إيه اللي حصل.
من شهر بس كان بيتكلم معايا عن إننا أخيرًا نبدأ نفكر في طفل.
وبعدين فجأة…
بقى مصر على الطلاق.
قلت بصوت مبحوح
ممكن أفهم السبب؟
سكت شوية، وبعدين قال
أنا تعبت يا مريم.
مني؟
من المشاكل اللي بينا.
ضحكت بمرارة.
مشاكل؟ إحنا حتى مبنتخانقش.
نزل عينه للأرض.
ودي المشكلة.
استغربت.
يعني إيه؟
تنهد وقال
من ساعة ما أمي تعبت وأنا حاسس إن البيت كله ضغط عليا. أمي شايفة إنك السبب في كل حاجة، وإخواتي بيقولولي إني لازم أنهي الجواز قبل ما الأمور تكبر.
هزيت راسي وأنا مش فاهمة.
وإنت صدقتهم؟
مش حكاية تصديق.
أمال إيه؟
بصلي لأول مرة.
أنا مش قادر أكون بينك وبين أهلي.
الكلمة وجعتني أكتر من الطلاق نفسه.
يعني اخترتهم؟
مردش.
وكان سكوتُه هو الإجابة.
مديت إيدي للورقة.
قبل ما أمسك القلم، سألته
إنت متأكد؟
أيوه.
ومفيش حد تاني؟
رفع عينه بسرعة.
لا.
سكت شوية، وبعدين قال
والله يا مريم، مفيش حد تاني.
صدّقته.
يمكن عشان عينيه مكنتش بتكدب.
ويمكن عشان رغم كل اللي حصل، كنت لسه عارفة الشخص اللي اتجوزته.
قلت
طب ليه مستعجل بالشكل ده؟
عشان لو فضلت معاكي أكتر، هتتراجعي وأنا هتراجع… وأمي حالتها مش مستحملة.
بصيت للورقة.
وبعدين بصيت لشنطتي.
إيدي لمست الظرف الأبيض من جواها.
كنت ممكن أقوله.
كنت ممكن أفتح الظرف قدامه.
كنت ممكن أصرخ
أنا حامل!
لكن حاجة جوايا وقفتني.
هو اختار يطلقني وهو فاكر إننا من غير أطفال.
ولو عرف بالحمل دلوقتي…
هل هيختارني أنا؟
ولا هيختار يرجعني عشان ابنه؟
أنا مكنتش عايزة أعرف الإجابة.
مسكت القلم.
وبصمت.
مريم الشناوي.
انتهت ست سنين من عمري في توقيع واحد.
أحمد لم الورق، وقام.
قبل ما يمشي قال
أتمنى لك حياة كويسة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وأنا كمان.
خرج.
وأول ما الباب اتقفل، طلعت صورة السونار من الشنطة.
بصيت للنقطة الصغيرة اللي جواها.
وقلت وأنا بعيط
حقك عليا يا ابني… بس أنا مش هخلي حد يحسسك إنك جيت بالغلط.
بعدها بشهرين، سبت القاهرة.
روحت طنطا عند خالتي.
وهناك بدأت حياة جديدة.
ولما جه اليوم اللي اتولد فيه ابني…
سميته يوسف.
يوسف الشناوي.
كان صغير جدًا، لكن أول ما شيلته حسيت إن ربنا عوضني عن حاجات كتير.
ملامحه كانت غريبة.
عينين غامقة.
حاجبين تقال.
ودقن صغيرة فيها انحناءة شبه أبوه بشكل يخوف.
كبر يوسف.
كبر وأنا بكبر معاه.
اشتغلت في تصميم المساحات التعليمية، وفتحت مكتب صغير، وبدأت أشتغل واحدة واحدة.
ومرة بعد مرة، بقى عندي شغلي، وبيتي، وابني.
ومع كل سنة كانت بتعدي،
كان يوسف بيسألني السؤال نفسه
ماما… بابا فين؟
كنت أبلع غصتي وأقوله
بعيد.
هو مش عايزنا؟
كنت أبتسم وأقول
أنا عمري ما هقولك أبوك وحش، يا يوسف.
ليه؟
عشان مهما حصل بين الكبار… الأب بيفضل أب.
طب هقابله إمتى؟
كنت أبص في عينه وأقول
لما تيجي اللحظة الصح.
ومرت عشر سنين.
عشر سنين كاملة.
وفي يوم، جالي اتصال من إدارة مدرسة كبيرة في القاهرة.
يوسف كان دخل مسابقة علوم على مستوى الجمهورية.
مشروعه كان عن تجميع مياه الأمطار وإعادة استخدامها في المدارس.
وفاز بالمركز الأول.
والمدرسة قررت تمنحه منحة كاملة.
يوم التكريم، لبسته البدلة الزرقا اللي اشتريتها له مخصوص.
وقعدت في أول صف.
كنت ببصله من بعيد وهو واقف جنب باقي الأطفال.
قلبي كان هيطير من الفرحة.
المدير طلع على المسرح وقال
النهاردة بنحتفل بطفل مميز جدًا، مش بس لأنه حصل على المركز الأول، لكن لأنه قدر يقدم فكرة ممكن تخدم مدارس كتير في المستقبل.
الناس بدأت تصفق.
وبعدين قال
وبيشرفنا إن اللي هيسلم الجائزة النهاردة هو رجل الأعمال أحمد القبالي، أحد أكبر الداعمين للمشروع.
إيدي اتجمدت.
أحمد.
بعد عشر سنين.
بصيت ناحية باب القاعة.
دخل أحمد.
كان مختلف.
شعره فيه خصلات بيضا، وملامحه نضجت.
لكنه كان لسه أحمد.
نفس العينين.
نفس طريقة المشي.
نفس الشخص اللي خرج من حياتي من عشر سنين.
هو مكنش شايفني.
طلع على المسرح، ووقف جنب المدير.
المدير نادى
الفائز بالمركز الأول… يوسف الشناوي.
يوسف طلع.
أحمد ابتسم له.
مد إيده وصافحه.
وبعدين مسك الشهادة.
لكن أول ما رفع عينه وشاف وش يوسف…
إيده اتجمدت.
ابتسامته اختفت.
بص للولد.
وبعدين رجع بصله تاني.
كأنه بيحاول يفتكر حاجة.
قال بصوت منخفض
اسمك إيه يا بطل؟
يوسف ابتسم
يوسف الشناوي.
أحمد بلع ريقه.
عندك كام سنة؟
عشر سنين.
سكت أحمد.
وشه اتغير.
بدأ يحسب في دماغه.
وبعدين رفع عينه ناحية الجمهور.
عينه عدت على الصفوف واحد واحد.
لحد ما وقفت عندي.
أنا كنت قاعدة في مكاني.
متحركة.
ولا حتى حاولت أستخبى.
عنينا اتقابلت.
لأول مرة من عشر سنين.
وشفت في عينيه سؤال واحد
هو ابني؟
مردتش.
يوسف بص ناحيتي باستغراب.
وبعدين رجع بص لأحمد.
أما أحمد…
فنسي تمامًا إنه واقف قدام مئات الناس.
قرب من يوسف وقال بصوت مرتعش
ممكن أسألك سؤال؟
يوسف قال
اتفضل.
أحمد بص له طويلًا، وبعدين قال
اسم مامتك إيه؟
يوسف ابتسم وقال بكل براءة
مريم.
القاعة كلها كانت بتصفق.
لكن أحمد…
كان واقف ساكت.
لأنه لأول مرة فهم إن الست اللي وقع ورقة طلاقها بإيده من عشر

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *