لما مديرها
الجزء الرابع
نزلت كريمة السلالم ببطء، الشنطة في إيدها، والدفتر مفتوح على الصفحة الأخيرة. طارق ويسرا كانا واقفين في الصالة بانتظارها يبتسمان بسخرية متوقعة. لما شافوها نازلة بالشنطة القديمة، ضحكت يسرا بصوت عالٍ
وأخيراً.. هل كنتِ بتسرقي دهب قديم كمان؟ هاتي شوف إيه اللي معاكي!
كريمة وقفت في منتصف الصالة، ووضعت الشنطة على الطاولة الرخامية ببطء شديد
أنا مش مسروقة يا فندم.. بس جيت أقولكم كلمة واحدة قبل ما أمشي.
فتحت الدفتر، ورفعت الصفحة لفوق ليشوفوها
طارق باشا.. يسرا هانم.. أريدكم تقرؤا الكلام ده كويس.
نظر طارق للورقة، وتغير لون وجهه تدريجياً حتى أصبح شاحباً كالورق. يسرا اقتربت بقلق، ولما قرأت الاسم والتوقيع صړخت بصوت مړعوپ
إيه ده؟! يعني إيه كل الأصول باسمها؟ ده مستحيل! أنتِ بتكذبي!
في نفس اللحظة، دق جرس الباب بقوة. لما فتحته يسرا، وجدت نفسها قدام رجلين بملابس رسمية
أنا المحامي طلعت زهران. معي خطاب موثق من السيدة دولت يوسف يسحب جميع الصلاحيات والوكالات من السيد طارق فؤاد، وينقل ملكية الفيلا وجميع الأصول إلى السيدة كريمة حسن بموجب وصية سارية المفعول. لديكم ٤٨ ساعة لمغادرة المكان بكل احترام.
طارق تهاوى على أقرب كنبة، وقال
بصوت مهزوز
أمي.. هي كويسة؟ ممكن أتكلم معاها؟ أرجوكِ قوليلي إنها مجرد سوء فهم!
كريمة ردت بهدوء
الحاجة دولت بخير.. بس هي قالتلي تقولك كلمة واحدة يا بني.. المال اللي بيشتري فيه قلبك على أمك مش بيبقى مال، بيبقى لعڼة تتبعك طول عمرك. لما افتكرت إنك تقدر تشتري كل حاجة بالفلوس، خسړت أغلى ما تملك نفسك وأمك. هي مش طرداك يا طارق.. هي بس قالت إن البيت ده ما ينفعش يسكنه من نسى إنه كان صغيراً بيحضن فيه أمه.
الجزء الخامس
غادروا الفيلا في اليوم التالي بوجوه منكسرة، يحملون حقائبهم فقط دون أي شيء آخر. لم تنظر لهم كريمة پشماتة، بل شعرت بالحزن عليهم أكثر من أي شيء آخر. بقيت هي والحاجة دولت في الفيلا الكبيرة، لكنها لم تعد كبيرة ولا مخيفة كما كانت من قبل. أضاءت كل الغرف المقفولة، وفتحت الشبابيك ليدخل الشمس والهواء لكل ركن.
اتصلت كريمة ببنتها مريم
تعالي يا روحي.. عندي لكي مفاجأة.. بيتنا بقي كبير ومشرق، وجدة عظيمة بتستناك بكل حب.
بعد أسابيع، حولت كريمة الطابق الأرضي لملجأ صغير للنساء المسنات اللاتي تعيشن بمفردهن، حيث يجدن الرفاه والونس والاهتمام. والحاجة دولت كانت تجلس في الصالة الرئيسية تستقبل الضيوف بابتسامتها الدافئة، وتحكي لهم قصص حياتها وحكمة الأيام.
وذات مساء، جاء طارق على الباب. كان بملابس بسيطة، مظهره متعب لكن عينيه تحملان صدقاً لم نره فيه من قبل. قال بصوت خاڤت
ممكن أزور أمي؟ مش عايز شيء غير أني أشوفها وأعتذر منها.
سمحت له بالدخول. جلس بجانب أمه، مسك إيدها وبكى كطفل صغير
سامحيني يا أمي.. كنت أعمى.. كنت فاكر الفلوس هي كل حاجة.. خسړت نفسي وخسرتكِ.. أرجوكِ قوليلي إنكِ تسامحيني.
الحاجة دولت مسحت دموعه بإيدها المرتعشة
أنا سامحتك من زمان يا بني.. الباب كان دائماً مفتوحاً.. أنتِ اللي كنت تقف بعيد باختيارك. تعالَ.. خد مكانك على السفرة.. العيلة بتتجمع الليلة، ومفيش مكان أغلى من مكانك بينا.