بعد ما فصلوها ١
الست اللي كانت من ثواني بتترعش من الخوف، بقت بتتكلم بثقة وصوت واحد كأنها واقفة في غرفة عمليات وسط زحمة الطوارئ. سألها بصوت مدهوش: “إنتي مين؟”ردت بكل هدوء وثبات: “أنا الممرضة.”سكتوا تماماً. صوت المطر وهو بيخبط على العربيات هو اللي كان مسموع.
معاطي بص للسماعة القديمة في إيدها، وبعدين وشها، وفجأة ملامحه اتغيرت كلياً. جوه العربية، صوت تنهيدة تعبانة طلع. معاطي لف بسرعة وفتح باب العربية. ولاء من غير تردد قربت وبصت جوه. الشاب كان مرمي على الكنبة ودمه مالي الدنيا، نفسه ضعيف وبطيء جداً.
مدت إيدها بسرعة تحس نبضه وتفحص تنفسه ودورة الدم، وبعدين بصت لمعاطي وقالت بجدية: “اطلب الإسعاف فوراً.. الحالة دي محتاجة جراحة طارئة حالا.”معاطي رد بلهجة حاسمة وقاطعة: “مفيش مستشفيات.”لكن نفس الشاب كان بيبقى أضعف وأبطأ. مكنش فيه وقت للخوف ولا للنقاش.
بصت لمعاطي وقالت بحدة: “معاك أدوات إسعاف ولا لأ؟”معاطي فتح صندوق كبير وطلع شنطة طوارئ طبية مجهزة. ولاء فتحتها في ثواني، وطلعت منها شاش معقم ومستلزمات لإيقاف النزيف. معاطي بص للسواق وزعق بصوت مرعب: “دوس. . اتحرك حالاً!”باب العربية اتقفل بقوة، والعربية انطلقت بسرعة جنونية وسط شوارع المطر.
معاطي كان باصص لأخوه اللي بين الحياة والمـ,ـوت، وبعدين بص لولاء وقال بصوت مكتوم: “إنتي تعرفي الدكتور محروس؟ اللي كان مناوب في المستشفى؟”ولاء بصت لإيديها الملـ,ـطخة بالدـ,ـم، وقالت وعينيها مليانة إصرار: “الموضوع ده وراه سر كبير.
. وخلينا نروح نكشفه.”سليم سمع كلماتها اللي نزلت عليه كالصاعقة. مفيش حد في حياته كلها تجرأ يكلمه بالشكل ده، ولا حد شافه كإنسان بيوجعه كبريائه قبل رجله، مش مجرد “زعيم مرعب” الكل بيترعش قدامه. بص لها نظرة مليانة تقدير عميق، تقدير مكنش بيشوفه في عيون أي حد تاني حواليه.
داليا حاولت تلحق الموقف بسرعة، قربت بخطوات متوترة وهي بتبتسم بصعوبة: “معلش يا باشا، بيلا على قدها ومش قصدها.. السهرة دي أثّرت عليها.”سليم قطع كلامها بصوت حاسم وبارد: “مين قال إنها مش فاهمة؟ دي أكتر واحدة في القاعة دي واعية وفاهمة هي بتعمل إيه، وعارفة قيمة نفسها كويس قوي، بعكس ناس تانيين ملهمش غير المظاهر.
“داليا وشها جاب ألوان من الكسوف، والكل في القاعة بقا ماسك نفسه من الصدمة. وهنا، وسط ذهول تلاتمائة ضيف وحراس متشردين، سليم حط إيديه الاتنين على مسند الكرسي، وبضغطَة قوية من كتافه وعضلاته، والدعامة اللي اتظبطت وبقت مرتاحة وريحت الألم اللي كان هيمـ,ـوته، حصل اللي محدش صدقه.