بعت المزرعة
حساباتي أنا، فكنا نقدر نراجعها ونطلب السجلات اللازمة عشان نثبت إذا كان أي مبلغ وصلني فعلًا.
أمي بدأت تراجع التواريخ بإصبعها.
كانت فاكرة بعضها لأنها ارتبطت بمواقف مهمة في حياتهم عيد ميلاد قللوا فيه الهدايا، وصيف أجّلوا فيه تغيير سخان المياه، ومرة أبويا قرر يأجل إصلاح تسريب في سقف البيت.
طول الوقت اللي رانيا كانت بتقولهم فيه إني على وشك الإفلاس، هما كانوا بيضحوا بحاجات من حياتهم في صمت.
وأنا، من غير ما أعرف أي حاجة، كنت بروح تجمعات العيلة بعربيتي القديمة وجزمتي المليانة طين.
ما حبيتش أستغل التضحيات دي عشان أذلهم. كنت عارفة كمان إني كان ممكن أحكيلهم تفاصيل أكتر عن شغلي، لكن فيه فرق كبير بين إني أحتفظ بخصوصية فلوسي، وبين إن حد يخترع ديون باسمي عشان ياخد فلوس.
وريتهم مستندات القروض الحقيقية اللي أخدتها، ومدفوعات المعدات الزراعية والضرائب بتاعة المزرعة.
كل حاجة كانت مسجلة باسمي، ومعاها تواريخ وأرقام مرجعية ممكن التحقق منها.
في نص اليوم تقريبًا، سمعنا صوت عربية بتركن بره البيت.
أمي بصت ناحية الشباك، وأبويا قفل الدفتر، لكنه ما شالش الأوراق من على الترابيزة.
بعد ثواني، دخلت رانيا وهي ماسكة مفاتيح
عربيتها وكيس صغير من السوبر ماركت.
أول ما شافتنا قاعدين حوالين الترابيزة، وقفت مكانها.
عينيها راحت للحافظة الزرقا، وبعدها بصتلي.
سألت
إيه اللي بيحصل هنا؟
رديت عليها بهدوء
بنراجع القروض اللي إنتِ بتقولي إن بابا وماما سلفوهالي.
حطت المفاتيح ببطء على الرف.
وقالت بعصبية
فايزة، الموضوع ده بيني وبين بابا وماما. إنتِ مالكيش دعوة بيه، ومش لازم تيجي تعملي ڤضيحة!
رديت عليها
لو فيه فلوس اتسلفت باسمي، يبقى من حقي أعرف.
ضحكت ضحكة قصيرة ومتوترة، وقالت إنها مش فاكرة كل التفاصيل، وإن بعض التحويلات قديمة لدرجة إن مستحيل حد يعرف دلوقتي اتصرفت في إيه.
وبعدها أصرت إني فعلًا أخدت مساعدة، حتى لو مش فاكرة المبالغ بالضبط.
كنت عايزة أرد عليها فورًا، لكني سيطرت على نفسي.
قضيت سنين طويلة وهي بتحدد رواية الأحداث قبل ما أقدر أتكلم.
حطيت إيصال ال١٨٠ ألف جنيه على الترابيزة وسألتها
فين إثبات إن الفلوس دي وصلتلي؟
ردت بسرعة
أنا اللي جبتلك الفلوس لما كنتِ محتاجاها!
قلت
طب قوليلي سلّمتيهالي فين؟
بصت لأبويا وقالت
مش مصدقة إنكم بتدوا الموضوع ده أهمية أكبر من كل اللي عملته للعيلة!
أبويا فضل ساكت.
ولأول مرة في حياتي، ما تدخلش
عشان يدافع عنها.
أشرت للتوقيع الموجود في الورقة، وشرحتلها إني مش بعترف بيه، وإن حسابات المزرعة ما فيهاش أي قروض من النوع ده.
فجأة رفعت صوتها، وبدأت تتهمني إني ناكرة للجميل، وإن ذاكرتي انتقائية، وإني بحاول أوقعها مع أهلها.
أمي طلبت منها توطي صوتها.
رانيا عمرها ما كانت بتواجه صعوبة في إنها تظهر هادية ومتزنة قدامهم، لكن المرة دي كان واضح إنها فقدت سيطرتها على الموقف.
قلت لها
أنا مش طالبة منك تعترفي بحاجة دلوقتي. أنا عايزاكي بس توضحي الفلوس راحت فين.
ردت بعصبية
إنتِ عارفة كويس إن المزرعة دي كانت محتاجة فلوس طول الوقت!
الجملة دي خلتني أفتح الملف البني.
كنت مستنية أعرض مستندات البيع في وقت تاني ولسبب مختلف، لكني فهمت إن أختي لسه مصممة تتمسك بحكاية الفقر اللي عمرها ما كانت حقيقية.
طلعت عقد البيع، وتأكيد إتمام الصفقة، وأوراق العملية كلها، وحطيتهم جنب الإيصالات.
وبصيتلها وقلت
المزرعة ما كانتش مفلسة يا رانيا.
أبويا مسك أول مستند وبدأ يقرأه ببطء. وبعدها رجع لأول الصفحة تاني، كأنه مش مصدق الرقم اللي قدامه.
شرحتله إن شركة كبيرة اشترت الأرض عشان تستخدمها في مشروع التوسع بتاعها.
المفاوضات استمرت سنتين،
وكان فيها محامين وخبراء تقييم ومراجعات كتير