بعت المزرعة

لوحدها؟
ردت رانيا بسرعة
أرجوكي يا ماما، لو ما كنتش مضطرة، ما كنتش طلبت منكم حاجة.
سكتوا شوية.
وبعدين أبويا سأل سؤال خلّى الډم يتجمد في عروقي
طب هي رجعتلنا كام من كل الفلوس اللي سلفناهالها؟
رانيا اتأخرت قبل ما ترد، وبعدها قالت
لحد دلوقتي ما قدرتش ترجعلكم أي حاجة.
بصيت للأكياس اللي جنب جزمتي.
أنا عمري ما أخدت فلوس من أبويا وأمي، ولا مرة واحدة. وعمري ما طلبت من رانيا تدفعلي تمن تصليح حاجة في المزرعة، ولا تساعدني أسدد أي ديون.
ومع ذلك، كان فيه ناس جوه البيت بيتكلموا عن قروض وفلوس اتسلفت باسمي!
في اللحظة دي، موبايلي اهتز.
كانت منى، المحاسبة بتاعتي، بتأكدلي إن أوراق البيع النهائية بقت جاهزة.
وفجأة، المبلغ اللي دخل حسابي ما بقاش أهم خبر في حياتي.
ما خبطتش على الباب.
رجعت الأكياس للعربية، وركبت وسقت لحد بيتي من غير ما أشغل الراديو.
أول ما وصلت، دخلت مكتبي على طول. فتحت الدرج السفلي للمكتب، وطلعت الملف البني اللي فيه كل أوراق بيع المزرعة.
كنت محتاجة أهدى وأفكر بعقل قبل ما أواجه أهلي.
لكن قبل ما أبدأ أرتب أفكاري، موبايلي اهتز مرة تانية.
المرة
دي كانت رسالة من أبويا.
كان باعتلي صورة لورقة قديمة مصفرة من الزمن، ومكتوب في أعلاها بخط واضح
قرض لفايزة
الورقة كان عليها تاريخ السنة اللي اشتريت فيها المزرعة، وفي آخرها توقيع باسمي.
وتحت الصورة، أبويا كتبلي
عايزك تشرحيلي الورقة دي قبل ما أختك ترجع.
كبرت الصورة بصوابعي، وفضلت أدقق في كل تفصيلة في التوقيع.
وفجأة، اكتشفت حاجة خلتني أقعد مكاني ببطء، وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
آخر حرف في اسمي كان منتهي بخط طويل نازل لتحت. أنا عمري ما كنت بمضي بالطريقة دي، لكن رانيا كانت بتختم إمضاها بنفس الحركة دي من أيام ما كنا مراهقين.
ما كانش ده كفاية لوحده عشان أثبت التزوير، لكني كنت أعرف خط أختي كويس جدًا.
دققت في التاريخ المكتوب على الورقة، وبعدها بصيت للمبلغ المكتوب بخط الإيد ١٨٠ ألف جنيه!
حسب الورقة، المبلغ ده كان مخصص لتصليح معدات زراعية في المزرعة، مع إني عمري ما طلبت المبلغ ده ولا استلفته من حد.
اتصلت بأبويا. رد عليّا بعد الرنة التالتة، وكان صوته باين عليه التعب أكتر من الڠضب.
حكالي إن رانيا خرجت من البيت شوية، وإنه كان بيدور على بعض الأوراق لما
لقى المستند ده وسط ملف المساعدات العائلية.
كلام رانيا في اليوم السابق خلّاه يشك في الموضوع، خصوصًا إنها كانت بتتكلم عن قروض باسمي، مع إني عمري ما فتحت معاه الموضوع ده.
سألني
فايزة، إنتِ فعلًا ما أخدتيش الفلوس دي؟
رديت عليه
لأ يا بابا. الفلوس دي ما وصلتش ليّ أصلًا.
سكت شوية، وبعدها قال
بس دي إمضتك يا بنتي!
قلتله
ده اسمي المكتوب على الورقة، لكن مش معنى كده إني أنا اللي مضيت.
فضل ساكت، وسمعت صوت كوباية بتتحط على الترابيزة.
وبعدين سألني إذا كنت بتتهم أختي إنها سړقت فلوسهم.
قلتله إني لسه مش عارفة كل اللي حصل، ومش هتهم حد قبل ما أراجع المستندات. لكني طلبت منه طلب واحد ما كنتش بطلبه منه قبل كده
إنه يسمعني للآخر، من غير ما يسيب رانيا تتكلم بدالي.
الليلة دي اتصلت بمنى، وشرحتلها إن أهلي عندهم مستندات بتتكلم عن قروض مزعومة تخص المزرعة، مع إني ما أعرفش عنها أي حاجة.
سألتني أسئلة محددة عن التواريخ والمبالغ وأسماء المستفيدين، وإذا كان أبويا محتفظ بإيصالات التحويلات البنكية.
ما وعدتنيش إنها هتحل الموضوع في لحظتها، لكنها وضحتلي إننا ممكن نطلب كشوف الحسابات
القديمة رسميًا، وإن تشابه الإمضا مش دليل قاطع
على التزوير.
نمت ساعات قليلة جدًا.
مش لأني كنت خاېفة أخسر الفلوس اللي لسه واخداها، لكن لأني بدأت أفتكر مواقف عائلية كتير كنت بعدّيها من غير ما أقف عندها.
المرات اللي أمي كانت بتسألني فيها إذا كنت باكل كويس. وتعليقات أبويا عن ضرورة بيع الأرض قبل ما أغرق في الديون. والمواقف اللي رانيا كانت بتبتسملي فيها ابتسامة شفقة، بينما الكل بيشكر فيها باعتبارها البنت المسؤولة اللي شايلة هم أختها.
كنت فاكرة إن كل ده مجرد أحكام مسبقة.
لكن دلوقتي بدأت أسأل نفسي يا ترى الحكاية دي كلّفتهم كام؟
تاني يوم الصبح، وصلت بيت أهلي قبل ما رانيا تظهر.
ما أخدتش معايا ملف البيع عشان أتباهى قدامهم، لكني أخدته لأن فيه معلومات حديثة عن الأرض وبيانات المستشارين اللي اتعاملت معاهم، لو احتجنا نراجع أي مستند.
أبويا فتحلي الباب من غير ما يحضني. أمي كانت محضرة القهوة، لكن ولا فنجان فيهم كان متصُب فيه حاجة.
على الترابيزة كانت فيه حافظة زرقا قديمة ومليانة أوراق.
أبويا فتحها ببطء.
أول ورقة كان فيها قائمة تواريخ، وبعدها إيصالات تحويلات بنكية، وأوراق مكتوبة بخط الإيد، ومستندات بتدّعي إنها مصاريف للمزرعة.
بعض الأوراق
كانت بتتكلم عن أسمدة، وأوراق تانية عن تصليح جرارات ومعدات، وفيه كمان مبالغ عاجلة المفروض إنها كانت ضرورية عشان تمنع الحجز على أرضي.
عرفت إن بعض أسماء الموردين حقيقية وموجودة في المنطقة، لكن ولا مستند من دول كان مسجل في حسابات المزرعة بتاعتي.
قالت أمي
أول مرة كانت بمبلغ ١٨٠ ألف جنيه. رانيا قالتلنا إن ماكينة عندك باظت، وإنك هتخسري المحصول كله لو ما دفعتيش الفلوس فورًا.
افتكرت السنة دي كويس.
آه، كان عندي عطل في جرار زراعي، لكني صلحته بقطع غيار مستعملة وبمساعدة ميكانيكي أعرفه. وكان عندي فاتورة الورشة وإيصال الدفع، والمبلغ اللي دفعته ما كانش حتى جزء بسيط من المبلغ المكتوب في الورقة.
طلعت دفتري وكتبت تاريخ القرض المزعوم، من غير ما أدخل في جدال معاهم.
أبويا بدأ يقلب صفحات دفتر الحسابات.
كان فيه ٢٣ تحويلًا على مدار ١٥ سنة كاملة.
وفي آخر صفحة ظهر الإجمالي
مليونين و٤٦٠ ألف جنيه!
اټصدمت من الرقم، وبالكاد قدرت أنطقه بصوت مسموع.
المبلغ ما كانش ثروة مقارنة بفلوس بيع المزرعة، لكنه بالنسبة لأبويا وأمي كان بيمثل سنين من التوفير، وتصليحات أجلوها في بيتهم، وقرارات اتخذوها على أساس إنهم بينقذوا
بنتهم من الإفلاس.
سألتهم
طب ليه ما سألتونيش أنا؟ ليه ما اتصلتوش بيا تتأكدوا؟
أبويا عدّل نظارته وقال
رانيا كانت بتقول إنك مكسوفة من وضعك، وإنك لو عرفتي إننا بنتكلم معاكي عن الفلوس، هترفضي المساعدة وتضيعي كل حاجة.
بصيتله بعدم تصديق وقلت
وإنتوا صدقتوا الكلام ده بدل ما تسألوني بشكل مباشر؟
محدش رد.
أمي فضلت تعصر المنديل اللي في إيدها لحد ما كرمشته تمامًا. شفت في عينيها القلق والكسوف، وفهمت إن الموضوع ما بقاش فلوس وبس.
هما بنوا علاقتهم بيا على احتياج ما كانش موجود أصلًا.
طلبت أشوف إيصالات التحويلات الأصلية.
في أكتر من إيصال، ظهر نفس اسم المستفيدة رانيا.
أبويا شرحلي إن أختي كانت بتتولى إدارة المدفوعات المزعومة، لأنها كانت بتقول إني خاېفة الدائنين يعرفوا إن أهلي بيساعدوني، فكانوا بيحولوا الفلوس على حسابها.
كان تفسير ضعيف، لكن تكراره على مدار سنين خلّاه بالنسبة لهم أمر طبيعي.
بعت صور الإيصالات لمنى.
بعد دقايق، اتصلت بيا وطلبت مني ما أسلمش الأصول لأي حد، وما أكتبش أي حاجة على المستندات.
وضحتلي إن الإيصالات بتحدد بوضوح مين استلم الفلوس، وده لوحده مش كفاية عشان نعرف اتصرفت في إيه، لكنه
بيجبر رانيا إنها تفسر عملت بيها إيه.
أما

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *