المكان ده مش بتاعك

“​ردت بقلة صبر: “التذاكر ساعات بتطبع غلط.”​سمعت الجملة دي من ركاب قلقانين كتير، بس لما تطلع من موظفة طيران كبيرة ومفروض فاهمة، الضيق تملكني؛ لأنها بكده بترمى التفاصيل المؤكدة عشان تفرض رأيها على طفل ملوش حيلة! لو التذكرة فيها مشكلة، بيانات الحجز على السيستم هتوضح ده في ثانية، ولحد ما ده يحصل، التذكرة اللي في إيده هي الإثبات الوحيد.​الولد بلع ريقه، وهمس بصوت متأثر ونبرة خنقتها الدموع: “بابا اختار لي الكرسي ده بالذات عشان أعرف أشوف الجبال من الشباك…”​السطور الأولى في الكابينة بدأت تهدا خالص.

الراجل الأعمال اللي قاعد الناحية التانية من الممر بطل يرتب ورقه، وزوجين كبار في السن التفتوا ناحية الولد، وواحدة كانت قاعدة ورايا شالت سماعة من إذنها.. كابينة الطيارة دايماً بتخلق شهود رغماً عنهم؛ المكان ضيق، والأصوات بتوصل بسرعة، والخصوصية بتختفي في ثانية.​رجعت ماجدة البوردنج للولد، وأشارت برأسها ناحية ورا الطيارة: “هات شنطتك ولعبتك.. تعالى نشوف مكانك الأصلي فين.”​الولد حضن لعبة الثعلب في صدره بجامد وقال: “مش هقدر.

“​”تقدر يا حبيبي، وأنا هساعدك.”​”بس أنا وعدت بابا!”​التلات كلمات دول كشفوا المعنى اللي ماجدة ما كانتش حاساه ولا شايفاه. بالنسبة لها، تغيير الكرسي ده مجرد إجراء روتيني بسيط ممكن يتصلح بعدين؛ أما بالنسبة لطفل عنده ست سنين، كلام أبوه ده وعد وعهد خط أحمر! اثبت في الكرسي ده.. استناني.. ما تتحركش من مكانك.

كل قاعدة يتعلمها في حياته عن الأمان والسمع والطاعة كانت مربوطة بإنه يفضل في مكانه ده بالظبط.. وجت ست غريبة بلبس رسمي تطلب منه يختار يخون ثقة مين فيهم!​قربت من الممر وقولت بنبرة هادية ولطيفة: “طب لو تحبي، ممكن أستأذن موظف البوابة يتأكد لنا من بيانات الحجز؟”​ماجدة بصت لي لأول مرة بنظرة حادة: “شكراً يا فندم، الطاقم يقدر يتعامل مع الموقف.”​ما كنتش عاوزة كرامة الطفل تتحول لساحة عرض عضلات بين كبار كل واحد عاوز يثبت رأيه. التصرف الصح كان محتاج بس لحظة ثبات وهدوء.​رديت بهدوء: “أكيد طبعاً..

أنا بس قولت نتأكد عشان الولد يطمن قبل ما يقوم من مكانه.”​نظراتها ازدادت برود وقالت: “الرحلة أصلها متأخرة، وما عندناش وقت نجادل في كل كرسي!”​الراجل الأعمال اللي قاعد الناحية التانية بص للتذكرة وقال لها بالراحة: “بس هي مش التذكرة مكتوب فيها 2A فعلاً؟”​”يا فندم لو سمحت سيبني أقوم بشغلي!”​”أنا سايبك تقوم بشغلك والله،” رد بوقار وهدوء، “بس الولد ماشياً مضبوط زي ما التذكرة مكتوب فيها بالظبط.”​الكلمة دي ما أحرجتش ماجدة ولا خليتها تهدى؛ بالعكس، زادتها إصرار وعناد! يمكن لأن التراجع قدام الكابينة كلها بالنسبة لها كان معناه كسر هيبتها وسلطتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *