المكان ده مش بتاعك

​”المكان ده مش بتاعك يا شاطر!”.. قالتها مشرفة الطيران بصرامة لطفل عنده ٦ سنين قاعد لوحده في درجة رجال الأعمال.​ولما رفض يقوم، مسكت إيده بق..سوة وعزت على قميصه.. بس أول ما زميلتها فتحت الملاحظة المكتوبة في بيانات حجزه، الكابينة كلها اتسمرت من الصد. مة، والمشرفة نفسها نزلت دموع. ها من الذهول!​الكرسي اللي اختاره أبوه.. ووعد عند بوابات المطار​على مدار حداشر سنة شغالة في خدمة المسافرين بمطار القاهرة الدولي، اتعلمت إن المطار مش مجرد مبنى وخلاص، ده عبارة عن حكايات ناقصة ومسافرين طالعين ونازلين، كل واحد شايل جوه صدره خليط من الأمل، والتعب، والقلق، والإصرار.

وبحكم شغلي ورا الكاونتر أحل مشاكل التذاكر والشنط الضايعة، اتعودت أشوف الناس في أشد لحظات توترهم وقلة صبرهم، من غير ما أدعي إني عارفة كل أسرارهم.​في صباح يوم من أيام فبراير البرد، ما كنتش واقفة ورا الكاونتر ولا لابسة بليزر الشغل الأزرق؛ كنت مسافرة لأسوان عشان أحضر دورة تدريبية، لابسة بلوفر نبيتي وبنطلون، وكارنيه الشغل مستخبي جوه شنطتي. كنت مستنية الخمس ساعات بتوع الرحلة بفارغ الصبر، قاعدة في الكرسي 3C، أشرب قهوتي، وأراجع ورقي، وأستمتع باللحظة النادرة دي إني مش مسؤولة عن حد غير نفسي.

​المطر الشديد كان مأخر كذا رحلة، والصالة كان فيها حالة من التوتر واللخبطة اللي بتحصل لما الخطط تترتب وتتلخبط في ثانية. رحلتنا اتأخرت حوالي أربعين دقيقة، ولما بدأ النداء للدخول للطائرة، كانت وجوه الناس متجهمة ومش مستحملة أي كلمة أو تأخير تاني.​أول ما دخلت كابينة درجة رجال الأعمال (الفيرست كلاس)، لفت نظري طفل صغير؛ لفت نظري لأنه كان قاعد لوحده، ولأنه كان بيحاول بأقصى جهده ما يبينش إنه خايف من الوحدة.​كان عنده حوالي ست سنين، شعره بني ومرتب على جنب، ونمش خفيف على مناخيره.

كان لابس سويتر كحلي أنيق تحتيه قميص أبيض وبنطلون قماش، وجزمة بنية نظيفة جداً باين إن حد مهتم بيه وملمعها له الصبح بحب واهتمام. في حضنه كان ماسك لعبة دبدوب صغيرة (ثعلب قماش) ذيله المقطوع متخيط بخيط أزرق بخياطة يدوية، وبين إيديه التانين كان ماسك كارت الصعود (البوردنج) بكل احترام وجدية كأنه ماسك شهادة تقدير!​الكرسي اللي جنبه كان فاضي، وهو كان قاعد جنب الشباك في الكرسي 2A، وشنطته الزرقاء الصغنونة محطوطة بنظام تحت الكرسي اللي قدامه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *