رجعت البلد عشان
كذبكِ أصبح بلا معنى يا منى. أمي خافت منكِ إلى أبعد حد، كانت تعيش في قلق منكِ، وأنتِ كنتِ تضغطين عليها بالابتعاد عني كلما طلبت منكِ حقها. أنا جاي لآخذ حقي وحقها.. وأعطيكِ فرصة أخيرة خلال ثلاثة أيام، تُعيدين كل المبالغ التي أخذتيها، وتُعوضين أمي عما فات، وإلا سأذهب للبنك وللمحامي وللناس جميعاً ونكشف حقيقتكِ للجميع.
خرجتُ من بيتها وأنا أرتجف. لم أشعر بالانتصار، بل بخزي عميق.. كيف يمكن لأخت أن تفعل هذا بأمها؟ وأين كان الضمير طوال هذه السنين؟
الجزء الرابع: الحقيقة الكاملة
مرت الأيام ولم تفِ منى بوعدها. بدأت تتهرب مني، وتختلق الأعذار، وحتى الهاتف أصبحت تغلقه في وجهي. علمتُ حينها أنني لا أستطيع التعامل معها وحدي، فاستعنتُ بمحامٍ موثوق، وبدأتُ أجمع الأدلة: إيصالات التحويلات البنكية لمدة سنتين، وشهادة صاحب الدكان، وتقرير طبي بحالة أمي الصحية المتدهورة بسبب سوء التغذية والإهمال.
أثناء تجهيز الأوراق، اكتشفتُ المزيد من الحقائق المرعبة. لم تكن المشكلة في أنها صرفت الفلوس على نفسها فقط.. بل إنها كانت تقترض أيضاً باسم أمي من الناس في الحارة، وتقول لهم أحمد مسافر وسيدفع كل شيء حين يعود، فتراكمت الديون على أمي دون أن تعرف شيئاً!
ذهبتُ للمحامي وقلتُ له بتصميم:
أريد حق أمي كاملاً، ولا أريد أي تسوية خارج المحكمة. إذا كانت تريد المسامحة، فليكن ذلك بعد أن يأخذ القانون مجراه، وبعد أن تعيد كل ما أخذته باهظاً الثمن.
في نفس الوقت، بدأتُ أجهز لبيت أمي. أصلحتُ الباب المكسور، ورممتُ الحيطان، واشتريتُ أثاثاً بسيطاً لكنه مريح، وجهزتُ المطبخ بكل ما تحتاجه. كانت أمي تشاهدني والدموع في عيناها، وتقول لي بضعف:
يا بني، ما يصح تفضح أختك بين الناس.. الناس هتتكلم علينا.
أمسكتُ بيدها وقبلتُها:
أنا مش بفضحها.. هي اللي فضحت نفسها بأفعالها. العدالة مش عيب يا أمي، والحق مش عيب. لما نكون صامتين عن الظلم، نظلم أنفسنا قبل أي حد. أنتِ ربيتني على أن الحق يُقال.. فاسمحي لي أن أكون ابنكِ الذي يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم.
في اليوم الذي حددته المحكمة، حضرتُ ومعي كل الأدلة. كانت منى هناك، ومعها زوجها، وحاولتِ للمرة الأخيرة أن تبكي وتقول إنها مظلومة، لكن الأدلة كانت أقوى من الدموع المزيفة. التحويلات البنكية تثبت وصول المبالغ لحسابها، وشهود الحارة أخبروا القاضي كيف كانت أمي تعاني بينما منى تعيش في رغد، وحتى جيران منى شهدوا أنها لم تكن تزور أمي إلا نادراً، وتخرج من بيتها بوجه عابس وكأنها مكرهة.