رجعت البلد عشان

الجزء الخامس: العدالة والدرس الأكبر

صدر الحكم النهائي بعد جلستين:

تُلزم منى بدفع كامل المبالغ التي استلمتها بالإضافة إلى تعويض مالي معنوي ومادي لأمّي، وتسديد جميع الديون التي اقترضتها باسمها بغير علمها.

في حال عدم السداد خلال ستة أشهر، تُباع ممتلكاتها لتسديد الحقوق، مع حكم بالسجن مع وقف التنفيذ لمدة عامين بتهمة الاحتيال واستغلال وضعها.

خرجنا من المحكمة، ونظرتُ إليها لمرة أخيرة قبل أن أتجه بعيداً:

كان بوسعكِ أن تأتي إليّ وتقولي لي إنكِ في ضائقة.. كنتُ سأساعدكِ بكل سرور. لكنكِ اخترتِ الطريق الخطأ، ونسيتِ أن العين بالعين، والسن بالسن، والظلم لابد يُرد ولو بعد حين. أنا لم أُدمركِ.. أنتِ دمرتِ نفسكِ بنفسكِ.

لم ترد، فقط خفضت رأسها ونظرت في الأرض. لم أشعر بالسعادة، بل بحزن عميق.. لقد خسرتُ أختاً، لكنني استعدتُ كرامة أمي، وهذا كان أهم من أي شيء في الدنيا.

مع مرور الأشهر، استردّت أمي عافيتها تدريجياً. أكلت جيداً، ونامت براحة، وأصبحت الضحكة تعود لوجهها يوماً بعد يوم. كل صباح أصحى وأراها تجلس في الشمس تشرب شايها وتتحدث مع الجيران، أشعر أن كل تعب السنين في الغربة قد ذاب واندثر.

وذات مساء، طرق الباب. فتحتُ، فوجدتُ منى واقفة عند العتبة، تبدو متعبة ومتغيرة الملامح. لم ترفع عينها لتنظر إليّ، فقط مدّت لي ظرفاً:

دي أول دفعة.. والباقي هجيبه أول بأول. جيت أقول لأمي.. إنني آسفة. وإنني عرفت إن الفلوس ممكن تتبنى وتخلص، لكن الأهل والثقة مش بيتعوضوا أبداً.

سألتها بصوت هادئ:

هل تريدين الدخول لتسلمي عليها؟

هزت رأسها بدمعة حقيقية هذه المرة:

مش بعد. لما أستاهلها. سأجيء حين أكون جديرة بأن تنظر إليّ بلا ألم في عيناها.

مشيت وتركتهنّ، ولم أمنعها من المجيء يوماً، لكنني وضعتُ حداً فاصلاً: الثقة لا تُعطى مرتين، والاحترام يُكتسب ولا يُمنح.

الجزء السادس: الحياة التي بدأت من جديد

بعد عام، أصبح بيت أمي جميلاً ومريحاً. لم أشترِ أشياء باهظة الثمن، فقط ما تحتاجه لتعيش بكرامة ودفء. كل شهر، ومع الدفعة التي ترسلها منى، أضعها في حساب خاص باسم أمي، ولا أنفق منها إلا ما تحتاجه، والباقي ادخرته لمستقبلها.

في كل جمعة، أحضر لها أكلها المفضل، وتجلس معي على مائدة الطعام، وتحكي لي قصص الطفولة، وأنا أستمع وأشعر بالسكينة التي كنتِ أفتقدها طوال سنتين الغربة. ذات يوم، قالت لي وهي تضع طبقاً من الحلوى أمامي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *