كان فاضل أسبوع
إيد المحامي إبراهيم الشاذلي كانت ثابتة بشكل يخوف، يمد بالظرف الأصفر الكبير ونظراته نازلة في الأرض، كأنه بيهرب من عيون عشرة رجالة وستات واقفين في الصالة دمهم محبوس.
نور الصغيرة، اللي بقت مدرسة عربي قد الدنيا، كانت لسة واثقة عينها في طبق الشاي المكسور على السيراميك، ونقط الشاي السخنة طرطشت على جزمتها. مفيش حد اتحرك. ولا حتى العيال الصغار أحفادي اللي كانوا بيلعبوا يستخبوا ورا ظهر أهاليهم.. السكون كان تقيل زي الجبل.
مسكت الظرف. الورق الأصفر كان مخربش ورائحته طالعة منها رطوبة ومواد حفظ، وكأن الظرف ده كان مدفون في مقبرة مش في مكتب محامي. الحبر الأسود ناشف وشبه ممسوح في بعض الحروف: (إلى سامية.. افتحوه مع ولادي كلهم).
أحمد، الكبير، خطى خطوة واحدة لقدام. صوته طلع مخنوق، صلب من برة بس فيه زلزال داخلي: “اتفضل استريح يا أستاذ إبراهيم.. اتفضل قعد.”
المحامي قعد على حرف الكنبة الجلد، حط شنطته السودا
بين رجليه، ونفض إيديه بتوتر مش لايق على سنه ولا مهنته. بصلنا كلنا، وركز عينه عليا أنا: “يا مدام سامية.. أنا عارف إن الموقف ده تقيل. وعارف إن السنين اللي عدت مش شوية. بس أنا أقسمت على المهنة، وأقسمت لحسام قبل ما يموت إني أؤدي الأمانة زي ما هي.”
أنا أيديا كانت بترعش. الحروف كانت بتتحرك قدام عيني.
أحمد قرب مني، حط إيده على كتفي.. إيده كانت دافية وناشفة، نفس مسكة إيد حسام زمان لما كان يجي
يطمني وهو شايل هم الدنيا.
“نفتحه يا أمي؟” أحمد سأل بصوت خفيض.
كلمة “أمي” دي كانت هي البلسم اللي لحم قلبي طول ثلاثين سنة. ما كانتش مجرد كلمة، كانت الشهادة الحقيقية إن السنين اللي ضاعت من عمري ما راحتش بلاش.
بصيت للعيال واحد واحد.. أشرف بكتفيه العراض، مريم بنظرتها الثابتة بتاعة رئيسة التمريض، نور اللي دمعتها نزلت ساكتة على خدها، والستة الباقيين واقفين صف واحد كأنهم بيواجهوا محكمة.
غمضت عيني، وقطعت طرف الظرف الأصفر.
طلع منه ثلاث حاجات: رزمة أوراق رسمية متدبسة بختم نسر قديم جداً ومكتوب عليها “عقود ووصايا”، ومظروف تاني
صغير، ومعاه أوراق صفرا مكتوبة بخط إيد حسام.. نفس الخط المايل للجمال اللي كنت بعشقه زمان.
سحبت الورق المكتوب بخط إيده.. ورجلي مش شيلاني. قعدت على الكرسي الخشب القديم، والمحامي إبراهيم