كان فاضل أسبوع

وجع من نوع تاني خالص.. وجع إن الراجل اللي ظننت إنه نذل وهرب، كان شايل جبل النار ده لوحده في الغربة، ومتقيد بالسلاسل عشان نحنا نعيش.
المحامي إبراهيم سحب الأوراق الرسمية المتبقية وقدمها لأحمد بصوت متأثر:

“الأستاذ حسام سدد كل مليم.. ومشي في سكة جحيم عشان يحميكم. والأوراق دي بتثبت إن فيه برج سكني في نصر سيتي، وخمسين فدان أرض زراعية في النوبارية، ومبلغ في البنك باسم مدام سامية والعيال العشرة بالتساوي.. دي أرباح شغله اللي كان بياخدها ويوجهها لهنا عن طريق شركات أوفشور قانونية بعد ما العصابة وقعت.”
أحمد بص للأوراق، وبعدين بص للمحامي وقال بصوت مبشوق: “والجثة؟ أبونا اندفن فين؟”
المحامي طأطأ رأسه: “هو اتوفى في روما.. ووصيته كانت إنه يتدفن في مقابر الصدقة هناك باسمه المزيف عشان ما يسببش ليكم أي مشاكل قانونية معقدة في مصر.. بس ساب لي المظروف الصغير ده.”

المحامي مسك المظروف الصغير وحطه في إيدي.
فتحت المظروف.. كان فيه مفتاح قديم جداً، مصدي، ومعه ورقة صغيرة جداً مكتوب فيها:
(الصندوق الحديد تحت بلاطة المطبخ القديم في بيت شبرا.. المطبخ اللي شهد أول وآخر مرة شفتك فيها بترصي الكوباية يا سامية).
نظرت العيال كلها اتجمعت عليا.
بيت شبرا.. البيت الإيجار اللي سبناه من أشار من عشرين سنة لما العيال كبروا، والبيت ده كان مقفول ومحدش ساكنه لأن صاحبه كان حاجزه للورثة وما تأجرش تاني!
“أنا عايزة أروح هناك دلوقتي.” قلتها بثبات ما عرفش جاني منين.
أحمد قال: “يا أمي الوقت تأخر.. الساعة داخلة على واحدة بالليل.”
قلت له بعزم: “دلوقتي يا أحمد.. مش هستنى ثانية واحدة

كمان.”
قاموا العشرة معايا.. تركنا الأحفاد مع أزواجهم، وركبنا ثلاث عربيات وانطلقنا على شبرا. الشوارع كانت فاضية، والأضواء الصفرا بتاعة أعمدة الإنارة كانت بتنعكس على زجاج العربية زي ذكريات متقطعة. طول السكة، محدش نطق كلمة. كلنا كنا بنفكر في الراجل اللي عاش ثلاثين سنة في الضلمة عشان احنا نطلع للنور.
وصلنا الشارع القديم.. البيت كان قديم وتهالك، الواجهة متقشرة، والباب الخشب الكبير مقفول بسلسلة وصادئة. أحمد جاب عتلة من شنطة العربية، وبمساعدة أشرف ودانيال، كسروا السلسلة بضربتين.
دخلنا.. ريحة التراب والماضي خبطت في وشنا. الصالة القديمة.. الحيطة اللي كان مرسوم عليها الديناصور الأخضر كانت لسة باينة رغم تشقق النقاشة.. السقف اللي النمل

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *