اشتغلت مع عمى
. ومسافة ما أبويا طلع على شغله روحت واخدها مشي من قلب الغيطان لحد المقابر بتاعة البلد اللي جنبنا، همشي مسافة نص ساعة بس مفيش مشكلة، أنا بحب ظلمة الغيطان والهدوء اللي بتكون غرقانة فيه، بعرف أصفي دماغي وقتها، وأفكر للمصلحة، للمصلحة وبس زي ما بيقولوا.
. وبعد نصف ساعة من التوهان كنت على مدخل المقابر، ومسافة ما خطيت عند أول مقبرة سمعت صوته الخشن، القاسي، صوته الواثق وبزيادة بيقول: ـ مين اللي جاي؟! ـ أنا ممدوح ابن أخوك يا عمي.. ـ يا مرحب بالغالي نورت الدنيا..
سلمت على عمي وخدته بالحضن رغم إن بيته لازق في بيتنا، وكالعادة شميت ريحة العِطر واحتواني في الجلبية الفخمة، الراجل ده باين عليه العِز أوي، عكس أبويا اللي مش لاقي حرفيًا.. وبعد قعدة لطيفة من الشاي والدخان بدأت أبوح له بكل حاجة، وهو كان خبيث، تشوف في عنيه كل شياطين الدنيا، وبدون لف ولا دوران قال: ـ أبوك عايش في زمن الأنبياء وفاكر إنه هيغير الكون، ميعرفش إنها بتتعاش مرة واحدة.
. ـ عشان كدا جتلك يا عمي، شغلني معاك وأنا هبقا خدام تحت إيدك.. ـ يعني مش هتقولي حلال وحرام؟؟ ـ ولا كأني أعرف حاجة، أنا عجينة شكلها بمزاجك.. ـ طيب كمل الشاي عشان شوية وهنقوم نشتغل، ويوميتك انهاردة ألف جنيه..
جسمي كله اترعش من الكلمة، ألف جنيه دي تقريبًا مرتب أبويا طول الشهر، وبدون مقدمات بدأ عمي يحكيلي إنه ياما نصح أبويا يمشي حاله بس كان بيعترض، حكالي إن فيه طلبة راحوله أكتر من مرة عشان يطلع لهم جثة يدرسوا عليها بمبلغ كبير بس رفض، مع إن ده حرام في إيه مانت بتنفع العِلم وكدا كدا الجثة هياكلها الدود، كلامه رغم إنه مكنش صحيح بس كان عندي استعداد أقتنع بيه تمامًا.
. شوية وجه راجل ضخم متلثم وشكله غريب أوي، بص ناحيتي بصة شرسة بس عمي عرفه بيا وكان مُبتسم، عمي خد منه كيس صغير والراجل مشي بدون ولا كلمة، بصيت لعمي باستغراب لقيته ابتسم أكتر وقال: ـ يالا بينا..
ودخلنا أنا وهو في قلب المقابر، ومعرفش ليه حسيت بالخوف رغم إني كنت بسهر مع أبويا في مقابر بلدنا كتير، بس المقابر هنا ليها رهبة، ومنظرها خلى قلبي يتخنق مكانه وأنفاسي تضيق، شوية ووصلنا لمقبرة من المقابر، عمي خرج سلسلة مفاتيح عملاقة ولقيته بيفتح الباب.
. بصتله بخوف وسألته: ـ أنت بتعمل إيه؟! بصلي بصة شرسة وقال: ـ أنت مش قولت عجينة بين إيديا، متكترش في الكلام بقا.. واتفتح الباب، ونزل عمي بالكشاف للمقبرة وطلب مني أنزل معاه، ولقيته بيقرب من الجثة وطلع من جيبه خنجر صغير وبكل سلاسة فتح كتف الجثة وحشر فيه لفافة قماش صغيرة لحد ما خفاها في المنطقة المفتوحة، وراح رابط الجرح كويس ولف عليه حتة قماش وخرجنا، كنت بترعش وفاقد السيطرة على جسمي، لقيته راح مطلع ألف جنيه واداهملي وطلب مني أروح.