مليونير مصري

— معرفش، بس ماما عندها صورة لراجل اسمه آدم. ساعات بتبص للصورة وتعيط، ولما بسألها مين ده، بتقولي إنه كان صاحبها زمان.
حسيت إن حد سحب الهوا من صدري.
آدم!
اسمي أنا!
حاولت أتماسك، لكن إيدي كانت بتترعش وأنا بسألها:
— طب يا ليلى، ممكن توريني صورة مامتك؟
ابتسمت ومدت إيدها الصغيرة ناحية جيب البلوفر، وطلعت موبايل صغير عليه جراب وردي.
فتحت صورة كانت محفوظة عندها، ومدت الشاشة ناحيتي.
وأول ما شوفت الصورة، حسيت إن الزمن وقف.
كانت هي!
مريم!
مريم اللي حبيتها أكتر من نفسي، واللي كنت فاكر إنها اختارت تبعد عني من خمس سنين من غير ما تسيب حتى فرصة واحدة للكلام.
مريم اللي دورت عليها شهور، وسألت عنها كل الناس اللي أعرفهم، وفي الآخر وصلت لطريق مسدود.
مريم اللي حاولت أنساها بالشغل والسفر والنجاح، لكن صورتها فضلت عايشة جوايا مهما عملت.
كانت واقفة في الصورة، حاضنة ليلى، ووشها مرهق، لكن ابتسامتها هي نفسها اللي كنت بحلم بيها كل ليلة.
بصيت لليلى تاني.
نفس العيون الرمادية.
نفس الغمازة.
نفس شكل الحواجب.
حتى الطريقة اللي كانت بتميل بيها راسها وهي بتفكر، كانت شبه طريقتي!
همست من غير ما أحس:
— يا رب… معقول؟
ليلى قربت مني وقالت بقلق:
— عمو آدم، إنتَ بتعيط ليه؟
مسحت عيني بسرعة، واكتشفت إن دموعي نزلت فعلًا.
أنا، آدم الكيلاني، الراجل اللي عمره ما سمح لحد يشوف ضعفه، كنت قاعد قدام طفلة معرفهاش من عشر دقايق، وبعيط زي طفل صغير.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال تاني، سمعت صوت ست من ورايا.
— ليلى! إنتِ بتعملي إيه هنا يا حبيبتي؟
الصوت ده كنت أعرفه كويس.
صوت فضل عايش في ذاكرتي خمس سنين كاملة.
لفيت ببطء.
كانت مريم واقفة عند طرف الصف، ووشها أول ما شافتني فقد لونه.
الموبايل وقع من إيدها على الأرض.
فضلت باصة ليّ كأنها شايفة شبح طالع لها من الماضي.
همست بصوت متقطع:
— آدم؟!
قمت من مكاني، وكل الأسئلة اللي فضلت محضرها طول السنين اتزاحمت في دماغي.
لكن سؤال واحد بس قدرت أنطقه:
— مريم… البنت دي بنتي؟
وشها اتغير، وبصت لليلى، وبعدها رجعت بصت ليّ.
ما ردتش.
وسكوتها كان أقسى من أي إجابة.
الفصل الثالث: خمس سنين من الأسرار
الطيارة بدأت تستعد للهبوط، لكن بالنسبة لي، الرحلة الحقيقية كانت لسه بتبدأ.
مريم أخدت ليلى من إيدي، وضمّتها لصدرها كأنها بتحاول تحميها مني.
قالت بصوت منخفض:
— مش هنا يا آدم، أرجوك.
ضحكت بمرارة.
— مش هنا؟! أمال فين يا مريم؟ بعد خمس سنين ألاقي بنت صغيرة بتقولي إن أمها عندها صورة لراجل اسمه آدم، وأكتشف إن الراجل ده أنا، وإنتِ عايزاني أستنى لوقت مناسب؟
مريم بصت حواليها بتوتر، لأن بعض الركاب بدأوا يلاحظوا إن في حاجة غريبة بتحصل.
قالت:
— أنا مش بهرب منك، بس ليلى مش فاهمة حاجة، ومش عايزاها تسمع كلام يوجعها.
بصيت للبنت اللي كانت واقفة جنب رجلها، ماسكة الأرنب القديم وبتبص لنا بحيرة.
فجأة فهمت إن الموضوع أكبر من غضبي.
انحنيت لمستواها وابتسمت بصعوبة.
— يا ليلى، ماما محتاجة تتكلم مع عمو شوية. إيه رأيك تقعدي جنبها، ولما ننزل أجيب لك شوكولاتة؟
وشها نور.
— بالشوكولاتة بالبندق؟
ضحكت رغم كل حاجة.
— اللي إنتِ عايزاها.
قالت ببراءة:
— طب ينفع تيجي معانا؟ عشان أنا بحبك يا عمو آدم.
الجملة دي كسرت آخر حاجة كانت متبقية من تماسكِي.
بصيت لمريم، فلقيتها بتبعد عينيها عني وبتحاول تمنع دموعها.
ولأول مرة من خمس سنين، حسيت إن قلبي مش بس اتوجع بسبب حبي القديم…
ده يمكن يكون فيه بنت صغيرة كان المفروض أعيش معاها كل لحظة من عمرها، وأنا معرفش حتى إنها موجودة.
بعد ما الطيارة هبطت، استنيت مريم وليلى لحد ما خرجوا من صالة الوصول.
ما حاولتش أمسكها أو أجبرها تتكلم.
كل اللي عملته إني قلت لها:
— أنا مش هسيبك تمشي المرة دي من غير ما أفهم الحقيقة. لو ليلى بنتي، أنا ليا حق أعرف، وهي ليها حق تعرف أبوها.
مريم فضلت ساكتة لحظات، وبعدها قالت:
— بكرة الساعة عشرة الصبح. كافيه هادي في سموحة. هحكيلك كل حاجة.
وبعدين أخدت بنتها ومشيت.
فضلت واقف مكاني، ببص لظهرها وهي بتبعد.
كان نفسي أجري وراها، أعاتبها، أسألها ليه عملت فيا كده.
لكن لما افتكرت عيون ليلى، قررت أستنى.
لأن المرة دي، الموضوع ما بقاش متعلق بيا وبمريم بس.
الموضوع بقى متعلق بطفلة صغيرة تستحق تعرف الحقيقة.
الفصل الرابع: الحكاية اللي مريم خبّتها خمس سنين
تاني يوم، وصلت الكافيه قبل الموعد بنص ساعة.
قعدت على ترابيزة بعيدة عن الزحمة، وفضلت أبص للساعة كل شوية.
الساعة عشرة بالظبط، دخلت مريم.
كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها مربوط لورا، وملامحها اتغيرت كتير عن آخر مرة شوفتها فيها.
لكن عينيها فضلت زي ما هي.
قعدت قدامي وقالت:
— قبل ما أتكلم، عايزاك تسمعني للآخر، من غير ما تقاطعني.
هزيت راسي.
أخدت نفس طويل وبدأت تحكي.
— فاكر آخر شهر قبل ما نفترق؟
طبعًا فاكر.
كنا بنجهز لجوازنا، وكنت خلاص اتفقت مع والدها على كل حاجة.
لكن في الفترة دي، أبويا دخل المستشفى بعد أزمة صحية كبيرة، وشركة العيلة كانت بتمر بأزمة مالية.
كنت بشتغل ليل ونهار عشان أنقذ الشركة، وفي وسط كل ده، حصلت مشكلة كبيرة بين عيلتي وعيلة مريم.
أبويا كان رافض الجواز، بحجة إن عيلتها مش مناسبة لمكانتنا الاجتماعية.
وأمي كانت شايفة إن مريم مش هتقدر تستحمل حياة رجال الأعمال والسفر والمسؤوليات.
أنا رفضت كلامهم، ووقفت قدامهم لأول مرة في حياتي.
لكن بعد أسبوع واحد، مريم اختفت.
بعتت لي رسالة قصيرة بتقول فيها إنها مش قادرة تكمل، وإنها اتعرفت على شخص تاني، وإنها مش عايزة تشوفني مرة تانية.
الرسالة دي كسرتني.
دورت عليها، لكن أهلها قالوا إنها سافرت، وبعدها عرفت إنها خرجت من مصر.
كنت فاكر إنها اختارت تبعد بإرادتها.
لكن مريم كانت بتبص ليّ دلوقتي بعينين مليانين وجع.
وقالت:
— أنا ما سبتكش عشان حبيت حد تاني يا آدم.
حسيت بقبضة في صدري.
— أمال ليه؟
دموعها بدأت تنزل.
— أبوك هو السبب.
اتجمدت مكاني.
— أبويا؟!
هزت راسها.
— قبل ما أختفي بأيام، أبوك طلب يقابلني لوحدنا. قال لي إنك مش هتقدر تكمل في شركته لو اتجوزتني، وإنه هيحرمك من كل حاجة، وهيخليك تخسر شغلك ومستقبلك.
ضحكت بذهول.
— أبويا عمره ما يقدر يمنعني أتجوزك.
قالت مريم:
— أنا كنت فاكرة كده برضه. لكن هو وراني مستندات عن ديون الشركة، وقال لي إنك لو سبت شغلك وبدأت حياة جديدة معايا، ممكن تخسر كل اللي بنيته. وبعدها قال لي إنه هيضمن إنك تعرف إني اخترت حد تاني، عشان تكرهني وتنساني.
سكتت لحظة، ومسحت دموعها.
— أنا كنت بحبك يا آدم، وكنت شايفة إن مستقبلك مهم. كنت فاكرة إني لو بعدت عنك، هحميك من إنك تخسر كل حاجة.
حسيت بالغضب بيغلي جوايا.
— وإنتِ صدقتيه؟! ليه ما جيتيش ليّ؟ ليه ما واجهتنيش؟
مريم بصت ليّ بوجع.
— كنت صغيرة وخايفة. وأبويا كان مريض، وأمك كلمتني وقالت لي إنك هتكرهني لو عرفت إني السبب في خسارة شركتك. كل اللي كنت بسمعه من عيلتك إن وجودي في حياتك هيضرك.
سكتت شوية، وبعدها قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة.
— وبعد ما سافرت، اكتشفت إني حامل.
حسيت إن الكافيه كله اختفى من حواليا.
بصيت لها وأنا مش قادر أصدق.
— حامل؟!
هزت راسها.
— عرفت بعد ما وصلت لندن بأسبوعين. حاولت أتصل بيك، لكن رقمك كان اتغير. بعت لك إيميلات كتير، لكن ما وصلنيش أي رد.
— أنا غيرت رقمي بعد ما سافرت فترة شغل طويلة، لكن إيميلي ما اتغيرش!
قالت مريم بسرعة:
— وأنا بعت عليه.
فضلت باصلها.
— ولا إيميل واحد وصلني يا مريم.
هزت راسها، وبدأت تدور في شنطتها.
طلعت موبايلها وفتحت مجلد قديم فيه رسائل إلكترونية.
— بص بنفسك.
مدت الموبايل ناحيتي.
كان فيه عشرات الرسائل، كلها مرسلة لعنوان بريدي القديم.
رسائل فيها خوف، وحب، ومحاولات يائسة للوصول ليّ.
وفي واحدة منهم، كانت كاتبة:
«آدم، أنا حامل في بنتنا. مش عارفة هتصدقني ولا لأ، بس مش قادرة أربي بنتنا وهي محرومة من أبوها. لو لسه بتحبني، رد عليّ.»
إيدي بدأت ترتعش.
الرسائل دي ما وصلتش ليّ أبدًا.
لكن ليه؟
مين كان يقدر يمنعها توصل؟
سألتها:
— ليه ما رجعتيش مصر؟
ردت بصوت مكسور:
— لما ليلى اتولدت، كنت لوحدي. أبويا مات بعدها بشهور، وأنا ما كانش عندي حد هنا أرجع له. اشتغلت في لندن، وربيت بنتي، وكنت كل يوم بقول لنفسي إني هتواصل معاك لما أقدر أضمن إنها هتعيش حياة مستقرة.
بصيت لها بغضب وحزن في نفس الوقت.
— خمس سنين يا مريم! خمس سنين وأنا معرفش إن عندي بنت!
قالت وهي بتعيط:
— أنا عارفة إني غلطت. وعارفة إن مفيش أي كلام يبرر اللي عملته. لكن والله يا آدم، ما كانش قصدي أحرمك من بنتك. كنت خايفة، وكل سنة كانت بتعدي كانت بتخليني أخاف أكتر من مواجهتك.
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعد لحظات، سألتها:
— هو أبويا كان يعرف إنها بنتي؟
مريم بصت ليّ، ولأول مرة شفت في عينيها خوف حقيقي.
قالت:
— أيوه.
الفصل الخامس: السر اللي أخفوه عني
قمت من مكاني مرة واحدة.
— إنتِ بتقولي إيه؟!
مريم حاولت تهديني.
— اقعد يا آدم، أرجوك.
لكن أنا كنت حاسس إن دماغي هتنفجر.
أبويا كان عارف إن عندي بنت؟
كان عارف إن فيه طفلة من دمي عايشة بعيد عني، ومع ذلك سابني خمس سنين أعيش من غير ما أعرف عنها حاجة؟
سألت مريم بصوت مخنوق:
— عرفتي منين؟
قالت:
— قبل ما أسافر، أبوك طلب مني أمضي على ورقة إني مش هحاول أتواصل معاك تاني. رفضت في الأول، لكن لما هددني إنه هيخليك تخسر شركتك، خفت. وبعد ما ليلى اتولدت، بعت لي رسالة عن طريق محامي، قال لي فيها إنه عارف إن البنت بنتك، وإن الأفضل لينا كلنا إننا نفضل بعيد عن بعض.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
— وعملتي إيه؟
— ما رديتش عليه. وبعدها حاولت أوصلك من خلال الشركة، لكن كل مرة كنت بتواصل فيها مع حد، كنت بلاقي إن الرسالة ما بتوصلش ليك.
سكتت، وبعدها أضافت:
— أنا ما كنتش عايزة فلوسك يا آدم. ولا كنت عايزة أرجع لحياتك عشان إنت بقيت مليونير. كل اللي كنت عايزاه إن ليلى تعرف أبوها.
حطيت إيدي على وشي.
أنا اللي كنت فاكر إن نجاحي هو أهم حاجة في حياتي، اكتشفت فجأة إن فيه خمس سنين من عمري اتسرقوا مني.
خمس سنين ما شفتش فيها بنتي وهي بتضحك لأول مرة.
ما شفتهاش وهي بتتعلم تمشي.
ما سمعتش أول كلمة قالتها.
ما كنتش جنبها وهي بتكبر.
والأصعب من ده كله، إنها كانت بتعيش وهي فاكرة إن أبوها ما يعرفش بوجودها.
بصيت لمريم وقلت:
— أنا مش هقدر أرجع السنين اللي فاتت، لكن مش هسمح إن يوم واحد كمان يضيع مني.
مريم رفعت عينيها ليّ.
— يعني إيه؟
قلت بحسم:
— يعني عايز أشوف بنتي. وعايز أعمل تحليل DNA عشان نقفل باب الشك تمامًا، وبعدها هنشوف إزاي نصلح كل اللي اتكسر.
مريم هزت راسها بالموافقة.
— موافقة.
ولأول مرة من بداية المقابلة، حسيت إننا بدأنا نمشي في الاتجاه الصح.
لكن كان لسه فيه شخص واحد لازم أواجهه.
أبويا.
الفصل السادس: مواجهة الأب
رجعت القاهرة في نفس اليوم.
ما روحتش الشركة، ولا رجعت البيت أغير هدومي.
روحت مباشرة لبيت أبويا في الزمالك.
كان قاعد في مكتبه، بيقرأ الجريدة، ولما شافني دخل من غير ما أخبط، رفع عينيه باستغراب.
— خير يا آدم؟ إيه اللي جابك في الوقت ده؟
وقفت قدامه، وحطيت الموبايل على المكتب.
كان عليه صورة ليلى.
قلت:
— تعرف البنت دي؟
بص للصورة، وملامحه اتغيرت للحظة.
لحظة صغيرة، لكنها كانت كفاية.
قفل الجريدة ببطء وقال:
— إنت عرفت منين؟
ضحكت بمرارة.
— يعني كنت عارف فعلًا!
أبويا قام من مكانه.
— اقعد يا آدم، الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
صرخت لأول مرة في حياته:
— أمال إيه؟! كنت عارف إن عندي بنت من خمس سنين، وسايبني أعيش من غير ما أعرف؟!
حاول يبرر.
— أنا عملت كده لمصلحتك. وقتها الشركة كانت على وشك الانهيار، وإنت كنت متعلق بمريم لدرجة إنك كنت مستعد تسيب كل حاجة عشانها.
قلت له:
— حتى لو كنت هسيب الشركة، دي حياتي أنا! ودي بنتي! مين اداك الحق تقرر بدل مني؟
سكت.
كملت وأنا مش قادر أسيطر على دموعي:
— كنت ممكن أخسر فلوسي كلها، وأبدأ من الصفر، لكن كنت هبقى أب لبنتي. دلوقتي أنا خسرت خمس سنين من عمرها، ودي حاجة عمري ما هقدر أرجعها.
أبويا حاول يقرب مني.
— أنا كنت خايف عليك.
رجعت خطوة لورا.
— لأ يا بابا، إنت كنت خايف على اسم العيلة وعلى الشركة. ونسيت إننا بشر، وإن في حاجات أهم من الفلوس.
فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال بصوت واطي:
— أنا غلطت.
ما كنتش متوقع أسمع الاعتراف ده.
لكن اعترافه ما كانش كفاية يمسح الوجع اللي جوايا.
قلت له:
— لو عايز تصلح جزء من اللي عملته، هتساعدني أعرف كل اللي حصل وقتها. مين كان بيتلقى رسائل مريم؟ ومين منعها توصل ليّ؟
هز راسه ببطء.
— هقولك كل حاجة.
لكن قبل ما أمشي، وقفت عند الباب وقلت:
— أنا بحبك يا بابا، لكن اللي حصل ده مش هقدر أنساه بسهولة. علاقتنا هتحتاج وقت عشان تتصلح.
خرجت من البيت وأنا عارف إن المواجهة دي كانت بداية حساب طويل مع الماضي.
الفصل السابع: أول حضن بين أب وبنته
بعد يومين، ظهرت نتيجة تحليل الـDNA.
كنت قاعد في مكتبي، قدامي الظرف الأبيض، وإيدي بتترعش وأنا بفتحه.
قرأت النتيجة مرة.
وبعدين مرة تانية.
احتمال الأبوة: 99.99%.
ليلى كانت بنتي فعلًا.
بنتي اللي حرمت منها خمس سنين.
حطيت الورقة على المكتب، وفضلت أبص من الشباك، والدموع بتنزل من غير ما أحاول أمنعها.
بعد شوية، اتصلت بمريم.
— النتيجة ظهرت.
سكتت لحظة، وبعدها سألت:
— طلعت إيه؟
قلت بصوت مخنوق:
— ليلى بنتي يا مريم.
سمعت شهقة بكاء من الناحية التانية.
— الحمد لله.
قلت لها:
— ممكن أشوفها النهارده؟
ردت بسرعة:
— طبعًا.
اتفقنا نتقابل في حديقة هادية في القاهرة، بعيد عن الزحمة.
وصلت قبلهم بنص ساعة، واشتريت لليلى عروسة صغيرة، لكن وأنا واقف قدام محل الألعاب، افتكرت الأرنب القديم اللي كانت حضناه في الطيارة.
اشتريت لها أرنب جديد، شبهه، لكن بعدين قررت أخلي الهدية معايا لوقت تاني.
بعد شوية، شفت مريم جاية من بعيد، وماسكة إيد ليلى.
البنت كانت لابسة فستان أصفر، وشعرها مربوط بتوكتين صغيرين.
أول ما شافتني، سابت إيد أمها وجريت ناحيتي.
— عمو آدم!
نزلت على ركبتي وفتحت دراعاتي.
جريت في حضني، ولفت إيديها الصغيرة حوالين رقبتي.
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها سكتت.
حضنتها بقوة، لكن بخوف كمان، كأني خايف لو سيبتها ثانية تختفي مني تاني.
همست لها:
— وحشتيني أوي يا ليلى.
رفعت وشها وبصت لي باستغراب.
— بس أنا شوفتك من يومين يا عمو!
ضحكت وسط دموعي.
— عندك حق يا حبيبتي.
بصت ليّ بفضول وسألت:
— هو إنتَ عندك بنت زيي؟
بصيت لمريم، لقيتها بتعيط وهي مبتسمة.
رجعت بصيت لليلى وقلت:
— أيوه يا حبيبتي، عندي بنت جميلة أوي.
سألتني ببراءة:
— اسمها إيه؟
حطيت إيدي على خدها الصغير، ولمست الغمازة اللي شبه غمازتي.
— اسمها ليلى.
البنت فضلت ساكتة لحظات، وكأنها بتحاول تفهم.
وبعدين سألت السؤال اللي كنت مستنيه وخايف منه في نفس الوقت:
— طب إنتَ بابايا؟
قلبي وجعني.
بصيت في عينيها، وقلت بكل صدق:
— أيوه يا ليلى، أنا بابا.
فضلت باصة ليّ شوية.
وبعدين حضنتني تاني، وقالت بصوت صغير:
— طب ليه مجتش عندي قبل كده؟
السؤال ده كان أصعب من أي سؤال سألتهولي في حياتي.
ما قدرتش أقول لها إن الكبار أحيانًا بيغلطوا، وإنهم ممكن يخلوا الأطفال يدفعوا تمن أخطائهم.
كل اللي قدرت أقوله:
— أنا ما كنتش أعرف إنك موجودة يا حبيبتي. ولو كنت أعرف، كنت جيت لك من أول يوم.
ليلى بصت ليّ بجدية، وبعدها مسحت دمعة كانت على خدي بإيدها الصغيرة.
— خلاص يا بابا، ما تعيطش. أنا أهو معاك دلوقتي.
في اللحظة دي، عرفت إن مفيش ثروة في الدنيا تساوي الحضن ده.
الفصل الثامن: هل يرجع الحب بعد خمس سنين؟
الأسابيع اللي بعدها كانت مختلفة تمامًا عن أي فترة عشتها قبل كده.
لأول مرة من سنين، بدأت أرجع من الشغل في مواعيد معقولة.
ألغيت بعض سفرياتي، وخصصت وقتًا ثابتًا أقضيه مع ليلى.
بدأت أتعلم حاجات بسيطة كنت محروم منها.
إزاي أعمل لها سندوتشات المدرسة.
إزاي أختار لها قصة قبل النوم.
إزاي أربط شعرها، رغم إن أول محاولاتي كانت كارثية لدرجة إنها فضلت تضحك عليّ نص ساعة.
وفي كل مرة كانت تناديني فيها «بابا»، كنت بحس إن جزءًا من روحي بيرجع لمكانه.
لكن علاقتي بمريم ما كانتش سهلة.
كنا بنتكلم عن ليلى، ونتفق على مواعيد الزيارات، وأحيانًا نتناقش في حاجات صغيرة.
لكن الماضي كان واقف بيننا.
في يوم، كنا قاعدين في نفس الكافيه اللي اعترفت لي فيه بالحقيقة.
قلت لها:
— مريم، أنا مش هكدب عليكي. أنا لسه بحبك.
بصت ليّ من غير ما تتكلم.
كملت:
— خمس سنين حاولت أنساكي فيهم، لكن الحقيقة إني ما عرفتش. ولما شوفتك في الطيارة، اكتشفت إن كل اللي بنيته من غيرك كان ناقص.
نزلت عينيها وقالت:
— وأنا كمان ما نسيتكش يا آدم.
قلبي اتحرك من جديد، لكني ما استعجلتش.
قلت لها:
— أنا مش طالب منك ترجعي ليّ لمجرد إن عندنا بنت. ومش عايزك تحسي إنك مجبرة على أي حاجة. أنا عايز فرصة نتعرف على بعض من جديد، من غير ضغط، ومن غير أسرار.
مريم فضلت ساكتة فترة.
وبعدين قالت:
— أنا خايفة.
— من إيه؟
— خايفة نرجع لبعض، وبعد شوية نكتشف إننا اتغيرنا، وإننا بقينا شخصين مختلفين. وخايفة ليلى تتعلق بيك، وبعدين يحصل بينا خلاف يوجعها.
هزيت راسي.
— خوفك من حقك. وأنا مش هطلب منك تثقي في كلامي بس. خليني أثبت لك بالأفعال إن المرة دي مختلفة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— ممكن نحاول.
ما كانتش موافقة على الجواز، ولا وعد بالرجوع.
لكنها كانت بداية.
وبالنسبة لي، كانت كفاية.
الفصل التاسع: اعتذار متأخر
بعد شهر تقريبًا، أبويا طلب يشوف ليلى.
في البداية، كنت متردد.
ما كنتش عايزها تدخل في مشاكل الكبار، ولا عايزها تحس إن حد بيحاول يفرض نفسه على حياتها.
لكن مريم قالت لي:
— لو هو فعلًا ندمان، يبقى لازم ياخد فرصة يصلح غلطه، بشرط إن ليلى تكون مرتاحة.
اتفقنا نتقابل في بيت العيلة.
لما ليلى دخلت، أبويا كان واقف في الصالون، متوتر بشكل ما شفتوش عليه قبل كده.
انحنى لمستواها وقال:
— إزيك يا ليلى؟ أنا اسمي محمود، وأنا جدك.
ليلى بصت له، وبعدها بصت ليّ.
— يعني إنتَ بابا بابا؟
ضحكت، رغم التوتر اللي كنت حاسس بيه.
— أيوه يا حبيبتي، ده جدو.
قعد أبويا جنبها، وحاول يفتح معاها كلام عن الألعاب والرسم.
بعد شوية، طلع من درج المكتب علبة صغيرة، فيها سلسلة ذهب رقيقة عليها حرف اللام.
قال لها:
— دي هدية ليكي يا حبيبتي.
ليلى بصت للهدية، لكن ما أخدتهاش فورًا.
سألته ببراءة:
— هو إنتَ كنت تعرف إني موجودة من زمان؟
أبويا اتجمد مكانه.
بص ليّ، وبعدين رجع بص لها.
— أيوه يا حبيبتي.
ليلى سألت:
— طب ليه ما جيتش تشوفني؟
أبويا نزل عينيه.
— أنا غلطت، يا ليلى. غلط كبير. ومهما اعتذرت، مش هقدر أغير اللي حصل. لكن لو إنتِ وافقتي، أنا نفسي أعرفك وأبقى جد كويس ليكي.
ليلى فضلت ساكتة لحظات، وبعدها قالت:
— طب ما تزعلش بابا تاني.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
أبويا قرب منها، لكن ما حضنهاش غير لما هي مدت إيديها ناحيته.
ولما حضنته، شفت دموعه بتنزل.
بعد ما ليلى خرجت تلعب في الحديقة مع مريم، أبويا قعد جنبي وقال:
— أنا عارف إنك مش هتسامحني بسهولة.
رديت بهدوء:
— مش عارف إذا كنت هقدر أنسى اللي حصل ولا لأ. لكن مش عايز أفضل عايش في الغضب طول عمري.
سكت لحظة، وبعدها قلت:
— لو عايز تعوض ليلى، خليك موجود في حياتها. ما توعدهاش بحاجة مش هتقدر تعملها، وما تحاولش تشتري حبها بالفلوس.
هز راسه.
— أوعدك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *