مليونير مصري

ما رجعتش علاقتي بأبويا زي الأول في يوم وليلة، لكن على الأقل بدأنا نتكلم من جديد.
والمرة دي، كنت مصمم إن أي قرار يخص حياتي وحياة بنتي يبقى قراري أنا.
الفصل العاشر: الأرنب القديم
في عيد ميلاد ليلى الخامس، قررت أعمل لها حفلة صغيرة في الحديقة.
ما كانش فيها رجال أعمال، ولا صحفيين، ولا ضيوف من الشغل.
كان فيها أطفال، وبالونات، وتورتة عليها خمس شمعات، ومريم اللي كانت بتضحك وهي بتحاول تمنع ليلى من أكل الكريمة قبل ما نغني لها.
بعد ما الحفلة خلصت، ليلى جريت ناحيتي وهي حضنة الأرنب القديم.
الأرنب اللي شوفته في الطيارة.
كان لسه معاها، رغم إني اشتريت لها ألعاب كتير غيره.
قعدت جنبي وسألتني:
— بابا، إنتَ عارف أنا ليه بحب الأرنب ده أوي؟
ابتسمت.
— ليه يا حبيبتي؟
قالت:
— عشان ماما كانت بتحضنهولي لما كنت بزعل. وكانت بتقولي إن كل واحد فينا لازم يكون عنده حاجة تفكره بالناس اللي بيحبهم.
بصيت لمريم، اللي كانت واقفة على بعد خطوات، وبتسمع كلامنا بابتسامة هادية.
ليلى كملت:
— وأنا دلوقتي عندي الأرنب، وعندي ماما، وعندي بابا. كده أنا عندي تلات حاجات بحبهم!
ضحكت وضمّيتها لحضني.
— لأ يا حبيبتي، إنتِ عندك ناس كتير بيحبوكي.
رفعت وشها وقالت:
— طب ينفع نفضل كلنا مع بعض؟
السؤال خلانا أنا ومريم نبص لبعض.
ما كانش عندي إجابة جاهزة، لكن المرة دي ما كنتش خايف من المستقبل.
قلت لها:
— هنحاول يا ليلى، وكل يوم هنعمل اللي يخلينا مبسوطين مع بعض.
مريم قربت وقعدت جنبنا.
وبعد لحظات، مدت إيدها وحطتها فوق إيدي.
ما احتجناش نتكلم.
كان فيه حاجات كتير لسه محتاجة تتصلح، لكننا كنا أخيرًا بنحاول نبني حاجة جديدة على الصراحة، مش على الخوف.
الفصل الأخير: بداية حياة جديدة
عدت ست شهور.
وفي يوم شتوي هادي، كنت واقف قدام شباك مكتبي، ببص على القاهرة، لما سمعت خبط خفيف على الباب.
دخلت مريم، ومعاها ليلى.
البنت جريت ناحيتي وهي شايلة رسمة ملونة.
— بابا! بص أنا رسمت إيه!
خدت الرسمة منها.
كانت رسمة بسيطة، فيها بيت كبير، وشجرة، وثلاث شخصيات ماسكين إيد بعض.
واحدة شعرها طويل، وواحد لابس بدلة، وبنت صغيرة في النص.
فوق الرسمة، كانت كاتبة بمساعدة ماما:
«عيلتي».
حسيت بقلبي بيدفى.
رفعت عيني لمريم.
كانت بتبص ليّ، وابتسامتها فيها هدوء ما شفتوش عليها من سنين.
قالت:
— ليلى كانت مصممة تيجي توريك الرسمة بنفسها.
حضنت بنتي، وبعدين بصيت لمريم وقلت:
— إيه رأيك نتعشى سوا النهارده؟ إحنا التلاتة.
ابتسمت.
— موافقة.
وبعد العشا، وإحنا ماشيين في الحديقة، وقفت مريم فجأة.
قالت:
— آدم، فاكر لما قلت لي إنك عايز فرصة نبدأ من جديد؟
هزيت راسي.
كملت:
— أنا فكرت كتير في الموضوع. وعرفت إننا ما نقدرش نرجع للناس اللي كناها من خمس سنين، لكن ممكن ندي نفسنا فرصة نبني حياة مختلفة.
بصيت لها وأنا مش قادر أخفي فرحتي.
— يعني إيه؟
ابتسمت وقالت:
— يعني لو لسه عايزني، أنا مستعدة نكمل مع بعض… واحدة واحدة، ومن غير ما نستعجل.
مسكت إيديها.
— أنا عايزك يا مريم، لكن الأهم عندي إننا نكون صريحين مع بعض، مهما حصل.
هزت راسها.
— اتفقنا.
ليلى كانت واقفة قدامنا، بتبص لنا باستغراب.
وبعدين سألت:
— هو إنتوا هتتجوزوا؟
ضحكت مريم، وبصت ليّ.
قلت لها:
— لو ماما وافقت، أيوه يا حبيبتي.
ليلى صقفت بفرحة.
— طب أنا هلبس فستان أميرة!
ضحكنا إحنا الاتنين، ولأول مرة من خمس سنين، حسيت إن الضحكة دي مش مجرد لحظة سعيدة.
دي كانت بداية حياة كاملة.
بعد شهور، اتجوزنا في حفل بسيط، حضره أقرب الناس لينا.
ما كانش فيه مظاهر فخمة، ولا قاعة ضخمة، ولا ضيوف بالمئات.
كان فيه مريم، وليلى، وأنا.
وكان فيه وعد بيني وبين نفسي إني عمري ما هسمح لأي حد، مهما كان قريب مني، إنه يقرر مستقبل بنتي بدالي.
أما أبويا، فبدأ يصلح علاقته بينا خطوة بخطوة، وبقى يقضي وقتًا مع حفيدته، من غير ما يحاول يفرض رأيه على حياتنا.
أما الشركة، ففضلت تكبر، لكن أنا اتغيرت.
بقيت أعرف إمتى أقول لأ للشغل، وإمتى أقفل الموبايل، وإمتى أرجع البيت عشان أسمع ليلى وهي بتحكي لي عن يومها.
وفي ليلة، وأنا بحط بنتي في سريرها، سألتني:
— بابا، إنتَ كنت فين لما أنا كنت صغيرة؟
بصيت لها وابتسمت بحزن.
— كنت بعيد يا حبيبتي، لكن دلوقتي أنا هنا.
فكرت شوية، وبعدها مدت إيديها الصغيرة ومسكت صباعي.
— طب ما تبعدش تاني.
قبلت جبينها وقلت:
— أوعدك إني هفضل أحاول أكون جنبك، وأحبك، وأسمعك، وأكون موجود في حياتك.
ابتسمت وغمضت عينيها.
فضلت قاعد جنبها شوية، ببص لملامحها اللي كانت شبه ملامحي بشكل يخليني كل يوم أكتشف حاجة جديدة.
افتكرت أول مرة شوفتها فيها على الطيارة، وهي حضنة الأرنب القديم، وبتحاول تحط شنطتها في المكان المخصص للشنط.
افتكرت عينيها الرمادية، وغمازتها الصغيرة، وسؤالها البريء:
«ماما بتقولي إن بابا لسه ميعرفش إن أنا موجودة أصلًا!»
يومها كنت فاكر إن أغلى حاجة في حياتي هي الثروة اللي بنيتها بإيدي.
لكن ليلى علمتني إن فيه حاجات ما تتقاسش بالفلوس، وإن النجاح الحقيقي مش إنك تبني أكبر شركة في البلد.
النجاح الحقيقي إنك ما تخسرش الناس اللي بيحبوك، وإنك لما تكتشف إنك خسرتهم، تحاول تصلح اللي تقدر عليه قبل ما الوقت يسرق منك فرصة تانية.
أنا خسرت خمس سنين من عمر بنتي، وخمس سنين من عمري مع مريم.
ما قدرتش أرجعهم، ولا أقدر أغير الماضي.
لكن قدرت أتعلم منه.
وعرفت إن الحب مش مجرد كلام، وإن العيلة مش مجرد اسم، وإن أقسى أنواع الفقر مش إن الإنسان ما يكونش عنده فلوس.
أقسى أنواع الفقر إنك تمتلك الدنيا كلها، وترجع بيتك في آخر اليوم، وما تلاقيش حد يستناك ويقول لك: «وحشتني يا بابا».
ومن يومها، بقيت كل ما ليلى تجري ناحيتي وتفتح دراعاتها الصغيرة، أسيب كل حاجة في إيدي وأحضنها.
لأن فيه لحظات، لو ضاعت منك، مهما كانت ثروتك كبيرة، مش هتقدر تشتريها من جديد.
ويمكن أجمل حاجة حصلت لي في حياتي، ما كانتش يوم ما بقيت مليونير… لكنها كانت اليوم اللي اكتشفت فيه إن عندي بنت، وإن لسه عندي فرصة أكون أبوها.
تمت بحمد الله ❤️

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *