كب عليها الكاس
نهاية حكايتها.
بعد فترة، آنا بدأت تتواصل مع مكتب السيد تاكيدا، وقدمت أوراقها وشهاداتها وخبراتها السابقة.
عدّت بمقابلات واختبارات لغة، واتطلب منها تترجم بعض النصوص التجارية والقانونية للتأكد من مستواها.
كانت متوترة في البداية، لكنها رجعت تفتكر سنين دراستها، وبدأت تتعامل مع كل اختبار باعتباره فرصة تثبت فيها نفسها.
وفي النهاية، حصلت على فرصة عمل في مجال الترجمة ضمن مشروع تجاري دولي، بعد استكمال إجراءات التوظيف المعتادة.
ماكانش الموضوع سهل، وماكانش مجرد مكافأة لأنها وقفت في وجه ملياردير.
هي تعبت، وذاكرت، واجتازت اختبارات، وأثبتت إنها مؤهلة للشغل.
لكن الليلة دي كانت نقطة التحول اللي خلت ناسًا مهمين يشوفوا مهاراتها بدل ما يشوفوا المريلة اللي لابساها.
ومع أول مرتب من شغلها الجديد، ما اشترتش لنفسها هدوم غالية، ولا ساعة فاخرة، ولا أي حاجة كانت بتحلم بيها من زمان.
أول حاجة عملتها إنها رتبت مصاريف علاج أمها، ودفعت الفواتير اللي كانت بتقلقها كل شهر.
وبعدها، في يوم هادي، رجعت البيت ومعاها علبة صغيرة.
أمها سألتها
إيه ده يا آنا؟
آنا فتحت العلبة، وطلعت منها وشاحًا جميلًا كانت والدتها نفسها تشتريه من زمان، لكنها كانت بتأجل كل حاجة عشان العلاج.
قالت لها
المرة دي، مش هنأجل كل حاجة يا ماما.
أمها ابتسمت، وعينيها اتمَلَت بالدموع.
ربنا يكرمك يا بنتي، ويعوضك عن كل تعبك.
آنا حضنتها، وحست لأول مرة من شهور إنها قادرة تتنفس من غير ما تفكر في الفاتورة اللي مستنياها، أو الدواء اللي لازم تشتريه، أو الشغل اللي ممكن تخسره لو رفضت إهانة جديدة.
كانت لسه في بداية طريقها، ولسه قدامها تحديات كتير.
لكنها رجعت تمشي ناحية حلمها، خطوة بخطوة.
أما ليانج فكان لازم يتعلم الدرس
بعد مرور فترة، وخلال لقاء تجاري آخر، اتفتح موضوع الاجتماع اللي اتوقف في الفندق.
بعض الحاضرين كانوا لسه فاكرين المشهد، خصوصًا اللحظة اللي آنا اتكلمت فيها بالياباني، واللحظة اللي اتغيرت فيها ملامح ليانج لما اكتشف إن المستثمرين مش هيمضوا العقد قبل المراجعة.
واحد من الحاضرين سأله عن الواقعة.
ليانج حاول يغيّر الموضوع، لكنه في النهاية قال
كان فيه سوء تفاهم، والموضوع اتراجع بالطريقة المعتادة.
ماكانش اعتذارًا صريحًا، لكنه على الأقل ماقدرش ينكر إن الصفقة اتوقفت وإن المستندات احتاجت مراجعة إضافية.
وبالنسبة لآنا، ماكانش مهم إذا كان ليانج اعترف بغلطه قدام الناس أو لأ.
هي ما كانتش مستنية إنه يديها قيمتها.
لأن قيمتها ما بدأتش يوم اتكلمت مع المستثمر الياباني، وما انتهتش يوم حصلت على فرصة العمل الجديدة.
قيمتها كانت موجودة من البداية، حتى وهو بيضحك عليها، وحتى وهي واقفة بمريلة ملطخة بالنبيذ، وحتى وهي مضطرة تشتغل في وظيفة بعيدة عن شهادتها عشان تعالج أمها.
الاختلاف الوحيد إن الناس اللي كانوا موجودين في القاعة أخيرًا شافوا جزءًا من الحقيقة اللي ماكانوش يعرفوها.
إن الإنسان مش بيتقاس بسعر بدلته، ولا برصيده في البنك، ولا بالكرسي اللي قاعد عليه.
وإن الشخص اللي بيقدم لك كوباية مياه ممكن يكون عنده علم وخبرة وأحلام أكبر من كل توقعاتك.
وإن احترام الناس مش رفاهية بنقدمها للي نعتقد إنهم أعلى مننا، لكنه واجب تجاه كل إنسان، مهما كانت وظيفته أو ظروفه.
أما أهم درس اتعلمته آنا، فكان إنها تقدر تكون طيبة من غير ما تسمح لحد يدوس عليها، وتقدر تحترم الآخرين من غير ما تتنازل عن احترامها لنفسها.
لأن السكوت في بعض المواقف ممكن يكون صبرًا، لكن الصبر مش معناه إن الإنسان يقبل الإهانة طول عمره.
وفي الليلة اللي ليانج كبّ فيها النبيذ على مريلتها، كان فاكر إنه بيأكد للجميع إنه أقوى شخص في القاعة.
لكنه ماكانش يعرف إن القوة الحقيقية مش في إنك تقدر تحرج شخص قدام الناس.
القوة الحقيقية إنك تقدر تحافظ على كرامتك، وتقول الحقيقة بهدوء، حتى لو الشخص اللي قدامك يملك ثروة أكبر من اللي تقدر تتخيله.
وآنا خرجت من القاعة من غير ما ترد الإهانة بإهانة، ومن غير ما تحتاج تصرخ أو تهدد.
خرجت وهي لسه لابسة المريلة البيضاء الملطخة بالنبيذ.
لكنها خرجت كمان وهي عارفة إنها مش مضطرة تخجل من شغلها، ولا من ظروفها، ولا من الطريق الصعب اللي اختارته عشان أمها.
وفي النهاية، ماكانش أهم انتصار حققته إنها ساهمت في إيقاف توقيع صفقة ضخمة.
كان أهم انتصار إنها ما سمحتش لحد يقنعها إنها أقل من غيرها.
لأن أحيانًا، الشخص اللي بتفتكره مجرد عامل بسيط في المكان، بيكون هو أكتر شخص عنده الشجاعة إنه يقول استنوا فيه حاجة لازم نتأكد منها قبل ما يفوت الأوان.