كب عليها الكاس

إني ما تدخلتش من البداية.
آنا ما ردتش فورًا.
كان ممكن تقول له إنها اتعودت على المواقف دي، أو إنها مش مستنية اعتذار من حد.
لكنها اختارت تقول الحقيقة.
حضرتك كنت شايف اللي بيحصل، وكان ممكن توقفه من أول مرة.
أندريه نزل عينيه.
عندك حق.
أنا فاهمة إن الاجتماع كان مهم، وإن حضرتك كنت خاېف الصفقة تتعطل. لكن ده ماكانش معناه إن الإهانة تبقى عادية.
أندريه هز راسه ببطء.
أنا غلطت لما سكت.
ماحاولش يبرر موقفه أكتر من كده.
وبعدها سألها
هل فكرتي ترجعي تشتغلي في مجال الترجمة؟
آنا اتفاجئت بالسؤال.
طبعًا. ده كان حلمي من زمان، ولسه نفسي أحققه.
طيب، لو جات لك فرصة مناسبة، تقدري ترجعي للمجال؟
آنا ردت من غير تردد
أقدر. بس لازم أقدر أوفّر علاج أمي في نفس الوقت.
أندريه سكت للحظات، وبعدها قال
هنتكلم في الموضوع ده لما الأمور تهدى.
آنا شكرته، لكنها ما علقتش آمال كبيرة على كلامه.
هي اتعلمت من الحياة إن الوعود سهلة، وإن اللي يثبت النوايا هو الفعل مش الكلام.
في اللحظة دي، السيد تاكيدا كان واقف بالقرب منهم، وسمع جزءًا من الحوار.
قرب وقال لآنا
أنا مش هقدر أوعدك بوظيفة دلوقتي، لأننا لسه محتاجين نراجع تفاصيل الصفقة. لكن لو إنتِ مهتمة بالعمل في مجال الترجمة، ممكن نتواصل معاكي بعد انتهاء المراجعات.
آنا بصت له بدهشة.
حضرتك تقصد فرصة عمل؟
أقصد إن مؤهلاتك تستحق إننا نتعرف عليها بشكل رسمي. إحنا بنحتاج أحيانًا لمترجمين عندهم فهم جيد للغات والثقافات المختلفة، لكن كل شيء لازم يتم من خلال الإجراءات المعتادة.
آنا ماقدرتش تخبي فرحتها.
لأول مرة من فترة طويلة، حست إن بابًا من الأبواب اللي اتقفلت في وشها ممكن يتفتح من جديد.
قالت له بامتنان
شكرًا جدًا. أنا هكون سعيدة لو أتيحت لي الفرصة.
السيد تاكيدا أخرج بطاقة العمل الخاصة به وقدمها لها.
ابعتي سيرتك الذاتية على بيانات التواصل الموجودة هنا. ولو فيه فرصة مناسبة، هنراجع طلبك.
آنا أخدت البطاقة بحرص، وكأنها ماسكة حاجة أغلى من مجرد ورقة صغيرة.
لأنها ماكانتش مجرد بطاقة عمل.
كانت احتمالًا جديدًا لمستقبل كانت فاكرة إنها اضطرت تتخلى عنه.
مواجهة أخيرة مع ليانج
كانت آنا على وشك الخروج من القاعة لما سمعت صوت ليانج بيناديها.
إنتِ!
وقفت، ولفت ناحيته.
كان واقف بالقرب من الباب، ومساعده جنبه.
ليانج بص للبطاقة اللي في إيدها، وبعدها قال بسخرية أقل من الأول
واضح إنك عرفتي تستغلي الموقف كويس.
آنا استغربت كلامه.
مش فاهمة قصد حضرتك.
بدل ما تفضلي في شغلك، قررتي تتدخلي في اجتماع مش من اختصاصك، وفجأة بقيتي بتتكلمي مع المستثمرين عن وظيفة ومستقبل.
آنا فضلت هادية.
أنا ما طلبتش من حد يوظفني، وما طلبتش أي مقابل. أنا بس قلت إن المستندات محتاجة مراجعة، لأن ده اللي فهمته من الكلام اللي سمعته.
ليانج قرب خطوة.
وإنتِ فاكرة إنك أنقذتي العالم يعني؟
آنا ردت
لأ. أنا مش خبيرة مالية، ومش من حقي أحكم على الصفقة. لكن من حقي أقول إن فيه حاجة محتاجة مراجعة لما ألاحظ احتمال وجود مشكلة.
ليانج سكت لحظة.
كان واضح إنه مستني منها اعتذار أو خوف أو حتى محاولة لتبرير نفسها.
لكنها ماعملتش أي حاجة من دي.
بصت له وقالت
حضرتك قلت لي إن فيه ناس اتخلقت عشان تشيل الصواني. بس الحقيقة إن الشغل اللي بيعمله الإنسان مش هو اللي بيحدد قيمته.
ليانج عقد حواجبه.
آنا كملت
أنا مش أقل من أي حد لمجرد إني جرسونة. حضرتك ممكن تكون أغنى مني، وعندك شركات أكتر مني، لكن ده مش معناه إنك تقدر تهينني أو تقلل مني.
الكلام وصل لأندريه والسيد تاكيدا، اللي كانوا واقفين على مسافة قريبة.
آنا ما رفعتش صوتها، وما حاولتش تحرجه قدام الناس.
هي بس كانت بتتكلم عن نفسها وعن حقها في الاحترام.
وبعدين أضافت
أنا ما اخترتش الظروف اللي خلتني أشتغل هنا، لكني مش هخجل من شغلي. أنا بشتغل عشان أعالج أمي، وده شيء أفتخر بيه، مش شيء أسمح لحد إنه يستخدمه لإهانتي.
ليانج فضل ساكت.
لأول مرة، ماعرفش يرد بجملة تقلل من كلامها.
لأنه مهما كانت ثروته، ماكانش عنده رد منطقي على حقيقة بسيطة إن احتياج الإنسان للمال أو اضطراره للعمل في وظيفة معينة ما يديش لأي حد الحق إنه يهينه.
آنا انحنت برأسها تحية بسيطة، وبعدها مشيت.
ما استنتش منه اعتذارًا.
وما استنتش تصفيقًا من الموجودين.
كانت عايزة تخرج من القاعة وهي محافظة على كرامتها، وده بالضبط اللي عملته.
اللي حصل بعد انتهاء الاجتماع
في صباح اليوم التالي، آنا صحيت بدري، وجهزت الإفطار لوالدتها قبل ما تروح شغلها.
أمها لاحظت إن بنتها شكلها مختلف.
مالك يا آنا؟ حاسة إنك مشغولة البال.
آنا ابتسمت.
لا يا ماما، بس حصل موقف غريب في الشغل امبارح.
خير يا بنتي؟
آنا قعدت جنبها، وحكت لها عن الاجتماع، وعن ليانج، وعن كاس النبيذ اللي اتكب على مريلتها، وعن اللحظة اللي قررت فيها تتكلم مع المستثمر الياباني.
أمها سمعت كل حاجة من غير ما تقاطعها.
ولما آنا خلصت، مسكت إيدها وقالت
أنا فخورة بيكي يا بنتي.
آنا ابتسمت، لكن عينيها لمعت بالدموع.
كنت خاېفة أكون غلطت لما اتدخلت.
أمها هزت راسها.
إنتِ ما ادّعيتيش إنك تعرفي حاجة مش عارفاها. إنتِ طلبتي منهم يتأكدوا قبل ما ياخدوا قرار كبير. واللي عملتيه بعد كده، إنك وقفتي لنفسك من غير ما تهيني حد، ده شيء يخليني فخورة بيكي أكتر.
آنا حضنت أمها.
كانت محتاجة تسمع الكلام ده من الشخص اللي ضحت بحلمها عشانه.
وبعد ما خرجت للشغل، لقت رسالة على بريدها الإلكتروني.
كانت رسالة من مكتب السيد تاكيدا، بيشكروها فيها على تدخلها المهني أثناء الاجتماع، وبيطلبوا منها إرسال سيرتها الذاتية وشهاداتها للنظر في فرص مناسبة بمجال الترجمة.
آنا قرأت الرسالة أكتر من مرة.
ماكانش فيها وعد بوظيفة مؤكدة، لكنها كانت فرصة حقيقية إنها تبدأ من جديد.
في نفس الوقت، كانت مراجعة الصفقة مستمرة.
المحامون والمستثمرون طلبوا مستندات إضافية لتفسير الاختلافات الموجودة في الأرقام، وقرروا عدم استكمال التوقيع لحد ما يتأكدوا من كل التفاصيل.
ماكانش فيه قرار نهائي بإن الصفقة كلها فاسدة، ولا كان ممكن الحكم على كل المستندات من مراجعة ليلة واحدة.
لكن المؤكد إن الصفقة ما اتوقعتش في موعدها، وإن الأسئلة اللي ظهرت خلال الاجتماع فرضت مراجعة أوسع.
وده كان كافيًا عشان ليانج يعيد حساباته.
لأن اللي حصل ماكانش مجرد تأخير بسيط.
كان موقفًا كشف له إن الثقة الزائدة والتعامل باستهانة مع الآخرين ممكن يتحولوا إلى مشكلة حقيقية في اللحظة اللي أقل شخص تتوقعه يلاحظ فيها تفصيلة مهمة.
الحقيقة اللي ماكانش ليانج متوقعها
بعد أيام، اتضح من المراجعات الإضافية إن بعض البيانات المالية كانت محتاجة تعديلات وتوضيحات جوهرية، وإن المستثمرين ماكانوش يقدروا يوافقوا على الصفقة بالشكل اللي اتعرضت بيه في الاجتماع الأول.
بدأت مفاوضات جديدة، واتطلبت مستندات إضافية، واتأجلت القرارات النهائية لحد ما تتضح الصورة كاملة.
أما ليانج، فبقى مضطر يتعامل مع أسئلة كان متوقع إنها خلصت من زمان.
والمفارقة إن البنت اللي اتهمها إنها مش فاهمة أي حاجة، ما كانتش هي اللي اكتشفت كل الاختلافات المالية بنفسها.
هي فقط لاحظت إن فيه نقاط تستحق الانتباه، وامتلكت الشجاعة إنها تقول ده في الوقت المناسب.
لكن ده ماكانش

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *