كب عليها الكاس
الترابيزة.
كفاية! إنتِ جرسونة، مش محامية ولا مستشارة مالية! إنتِ فاهمة إيه في العقود؟!
آنا أخيرًا بصت له.
وقالت بهدوء
أنا ما قلتش إني خبيرة مالية. أنا قلت إن فيه بنود محتاجة مراجعة.
الجملة كانت بسيطة، لكنها خلت بعض الموجودين يبصوا لبعضهم.
لأنها ما اتهمتش حد، وما ادعتش إنها تعرف كل حاجة.
هي بس طلبت منهم يتأكدوا قبل ما يمضوا على عقد بمئات الملايين.
والطلب ده كان منطقي جدًا.
السيد تاكيدا رفع إيده إشارة لليانج إنه يسكت، وبعدين قال لمساعده
افتح الملحق المالي مرة تانية.
لحظة انكشاف المستندات
المساعد فتح الملف، وبدأ يقلب الصفحات.
السيد تاكيدا طلب من محاميه يراجع الأرقام المتعلقة بالالتزامات المالية للشركة.
في البداية، ليانج حاول يتصرف بثقة.
رجع قعد على كرسيه وقال
مافيش أي مشكلة في المستندات. دي إجراءات طبيعية، وكل الأرقام اتراجعت قبل كده.
لكن المحامي ما ردش عليه.
كان مركز في الصفحات اللي قدامه، وبيتنقل بين جدول الأصول وملحق الالتزامات.
بعد دقائق، طلب نسخة إضافية من المستندات.
وبعدين نادى أحد زملائه وقال له
راجع الرقم ده مع البيانات الموجودة في الملحق التاني.
أندريه بدأ يتحرك في كرسيه بتوتر.
فيه إيه؟ هو ظهر اختلاف؟
المحامي رد بحذر
لسه بنتأكد. محتاجين نراجع بعض البنود قبل ما نقدر نقول إن فيه مشكلة فعلية.
ليانج حاول يضحك، لكن ضحكته طلعت متوترة.
واضح إننا بنضيّع وقتنا في حاجة بسيطة.
السيد تاكيدا رفع عينيه وقال بصرامة
لما يكون القرار متعلق بمئات الملايين، مافيش حاجة اسمها حاجة بسيطة قبل المراجعة.
الجملة خلت القاعة تسكت تمامًا.
المحامون كملوا مراجعتهم، وبعد فترة قصيرة، بدأت تظهر اختلافات فعلية بين بعض الأرقام الواردة في المستندات والتوضيحات اللي اتقالت شفهيًا خلال الاجتماع.
بعض الالتزامات المالية كانت مذكورة في ملاحق إضافية بطريقة محتاجة تفسيرًا دقيقًا، وقيمة بعض الأصول الواردة في الجداول كانت أعلى من القيم اللي أشارت إليها مستندات أخرى.
ده ماكانش معناه إن كل اختلاف دليل على تزوير، لكنه كان كافيًا لإثارة أسئلة خطېرة تستوجب مراجعة مستقلة قبل التوقيع.
أحد المحامين قال
لازم نعرف إذا كانت الالتزامات دي محسوبة ضمن القيمة المعلنة للشركة، ولا فيه التزامات إضافية مش داخلة في التقييم الأساسي.
محامٍ تاني رد
وكمان لازم نتأكد من طريقة تقييم الأصول. فيه أرقام محتاجة مستندات داعمة.
ليانج بدأ يفقد هدوءه.
كل ده اتراجع قبل كده! أكيد فيه سوء فهم في طريقة عرض البيانات.
السيد تاكيدا بص له مباشرة.
لو مافيش أي مشكلة، المراجعة مش هتضر حد.
ليانج لف ناحية آنا، وكانت ملامحه بتقول إنه بدأ يربط بين تدخلها وبين توقف الصفقة.
قال لها پغضب
إنتِ السبب في اللي بيحصل ده!
آنا ردت من غير ما ترفع صوتها
أنا ما غيرتش أي رقم في المستندات. أنا طلبت منهم يراجعوها بس.
لأول مرة في الليلة دي، ليانج ما لاقاش رد سريع يقوله.
لأنه كان عارف إن كلامها صحيح.
الصفقة تتوقف والوجوه تتغير
مرّت دقائق طويلة، وكل دقيقة كانت بتزود التوتر في القاعة.
المحامون استمروا في مراجعة المستندات، والمستثمرون بقوا بيتكلموا فيما بينهم بعيدًا عن ليانج.
أندريه كان واضح عليه القلق.
هو كان معتمد على الصفقة دي، وكان متوقع إن الاجتماع ينتهي بتوقيع العقود والاحتفال بالاتفاق.
لكن بدل الاحتفال، بقى فيه احتمال إن كل حاجة تتأجل، وإن الشركات تدخل في مراجعات طويلة قبل ما أي حد يقدر ياخد قرار نهائي.
في النهاية، قفل السيد تاكيدا الملف بهدوء.
بص لليانج، وبعدها لأندريه، وقال
إحنا جايين النهارده عشان نناقش صفقة كبيرة، وقبل ما نوقع، لازم تكون كل المعلومات واضحة ومكتملة. لحد ما نتحقق من الأرقام والالتزامات المذكورة في المستندات، مش هنقدر نكمل إجراءات التوقيع.
ليانج اتنفض من مكانه.
إنت بتقول إيه؟! إحنا اتفقنا على كل حاجة!
السيد تاكيدا رد بهدوء
الاتفاق المبدئي مش معناه إننا نتجاهل أي اختلافات تظهر أثناء المراجعة.
دي مجرد تفاصيل!
بالنسبة لك ممكن تكون تفاصيل، لكن بالنسبة لينا دي أرقام لازم نفهمها.
وبعدين أضاف جملته الأخيرة
الصفقة متوقفة لحد ما المراجعة تخلص.
ساد صمت ثقيل في القاعة.
صفقة ال مليون يورو اللي ليانج كان واثق إنها هتتم الليلة دي، اتوقفت قبل التوقيع!
وكل ده بدأ لما جرسونة قررت تتكلم في اللحظة اللي الكل كان ساكت فيها.
ليانج وقف وشه شاحب من الڠضب.
كان متعود إنه يدخل أي مكان فيلاقي الناس بتجاملُه، وبتحسب لكل كلمة بيقولها ألف حساب.
لكن الليلة دي، للمرة الأولى، لقى نفسه قدام موقف مش قادر يسيطر عليه بمجرد أمر أو ټهديد.
بص ناحية آنا، اللي كانت لسه واقفة جنب الترابيزة، ومريلتها البيضاء عليها بقعة النبيذ الحمراء.
البقعة نفسها اللي كان بيضحك عليها من دقائق، بقت كأنها بتفكره بكل اللي حصل.
السؤال اللي غيّر نظرة الجميع لآنا
بعد ما اتقرر تأجيل التوقيع، بدأ بعض الضيوف يجمعوا أوراقهم، بينما فضل المحامون يراجعوا المستندات.
السيد تاكيدا رجع بص لآنا.
المرة دي، ماكانش بيبصلها كعاملة في المطعم.
كان بيبصلها باحترام وفضول حقيقي.
سألها بالياباني
ممكن أعرف إنتِ اتعلمتي اللغة دي فين؟
آنا سكتت للحظة، وكأن السؤال رجّعها لسنين فاتت.
وبعدين ردت
درست اللغات والترجمة في الجامعة، ودرست الياباني لعدة سنين. وبعد التخرج، حصلت على فرصة تدريب في الخارج.
السيد تاكيدا ابتسم باهتمام.
مستواكي ممتاز. واضح إنك مش بتتكلمي اللغة لمجرد التواصل، لكن فاهمة كمان طريقة التعبير والمصطلحات.
آنا نزلت عينيها وقالت
شكرًا لحضرتك.
واحد من المستثمرين سألها
طيب، إنتِ بتشتغلي هنا ليه؟ مع مؤهلاتك دي، المفروض تكوني في شركة ترجمة أو مؤسسة دولية.
آنا بصت ناحية المريلة الملطخة بالنبيذ، ومسكت طرفها بإيديها.
ولأول مرة من بداية السهرة، ظهر الحزن الحقيقي في عينيها.
قالت بصوت هادي
ساعات الحياة بتغيّر خططنا، حتى لو كنا عاملين كل حاجة صح.
السيد تاكيدا سألها
تقصدي إيه؟
آنا اترددت شوية، لكنها قررت تجاوب باختصار.
والدتي مريضة، ومحتاجة علاج مستمر. وأنا المسؤولة عن توفير مصاريف علاجها. لما الظروف اتغيرت، اضطريت أقبل الشغل اللي يقدر يوفر لي دخل ثابت بسرعة.
القاعة سكتت مرة تانية، لكن الصمت المرة دي كان مختلف.
ماكانش صمت إحراج أو ڠضب.
كان صمت ناس بدأت تفهم إن البنت اللي شافوها من شوية مجرد جرسونة، كانت في الحقيقة إنسانة اضطرت تختار بين حلمها واحتياج أمها.
واحد من الحاضرين قال لها
يعني إنتِ أجلتي مستقبلك عشان والدتك؟
آنا ابتسمت ابتسامة حزينة.
أنا ما اعتبرتش ده تضحية. دي أمي. هي اللي تعبت عشان أتعلم وأوصل للي وصلت له. ولما احتاجتني، كان طبيعي أكون جنبها.
الكلمات كانت بسيطة، لكنها لمست الموجودين.
حتى أندريه، اللي كان بيبتسم في بداية الليلة على تصرفات ليانج، نزل عينيه في الأرض.
بدأ يدرك إن سكوته ماكانش تصرفًا محايدًا.
هو شاف إنسانة بتتهان قدامه، واختار إنه ما يتدخلش عشان يحافظ على رضا شريكه.
أما ليانج، ففضل واقف بعيد، وملامحه متجمدة.
كان لسه غاضبًا بسبب توقف الصفقة، لكنه لأول مرة عرف إن البنت اللي أهانها عندها تعليم وخبرة وأحلام، وإنه حكم عليها من شكل وظيفتها من غير ما يعرف أي حاجة عن حياتها.
اعتذار متأخر لكن هل كان حقيقيًا؟
بعد ما بدأ الضيوف يخرجوا من القاعة، أندريه قرب من آنا.
قال لها
آنا، أنا عايز أتكلم معاكي.
آنا بصت له باحترام.
اتفضل يا فندم.
أندريه كان واضح عليه الإحراج.
اللي حصل النهارده ماكانش مقبول. وأنا آسف