يوم ٦ اكتوبر

مريم كانت قاعدة على كرسي صغير مهزوز، لابسة بيجامة خفيفة وفوقها كارديجان قديم. وشها كان شاحب بشكل يخوف. شفايفها ناشفة ومتشققة، وإيديها بتترعش وهي ضاغطة على مكان الجرح بتاع العملية. ولما قربت منها، لاحظت بقعة دم على هدومها.

قدامها على الترابيزة كان فيه كوب نودلز سريعة التحضير، باين عليه إنه بقاله وقت طويل وبرد تمامًا. وبجانبها، في سرير صغير من الخوص، كان ابني يوسف بيعيط بصوت ضعيف، ملفوف في بطانية خفيفة مش كفاية تدفيه. مريم رفعت عينيها ليا، وكأنها مش مصدقة اللي شايفاه.

— أحمد… صوتها كان ضعيف لدرجة إني بالعافية سمعته. — إنت… رجعت؟ حاولت تقوم من على الكرسي، وقالت وهي بتحاول تتمالك نفسها: — هقوم أعملك حاجة تاكلها… لكنها ما كملتش كلامها. رجليها خانتها، وجسمها مال لقدام. لحقتها قبل ما تقع على الأرض، وشيلتها بإيديا.

بصيت في وشها وأنا مش فاهم إيه اللي حصل، وبدأت أسألها بسرعة: — أمي فين؟— نهى فين؟— جوزها محمود فين؟— والأكل اللي أنا باعت فلوسه راح فين؟ وبعدين قلتلها وأنا بحاول أسيطر على أعصابي: — أنا حولتلهم مبلغ كبير مخصوص عشان يهتموا بيكي وإنتِ بتتعافي من العملية.

إيه اللي حصل هنا يا مريم؟ مريم نزلت عينيها للأرض. فضلت ساكتة ثواني، وبعدها قالت بصوت مك………سور: — سافروا الساحل الشمالي. بصيتلها باستغراب. — سافروا فين؟! قالت وهي بتحاول تمنع دموعها: — قالوا إنهم محتاجين يغيروا جو شوية… وإنهم تعبوا من القعدة في البيت.

سكتت لحظة، وبعدها كملت: — أنا مكنتش عايزة حاجة يا أحمد… كنت عايزة طبق شوربة بس. وبالرغم من حالتها، حاولت تبتسم ابتسامة ضعيفة وقالتلي: — أرجوك، متتعصبش… متعملش مشكلة مع أمك. فضلت باصلها وأنا مش مصدق اللي بسمعه.

إزاي مراتي لسه خارجة من عملية كبيرة، وعندها طفل عمره ١١ يوم، وتبقى لوحدها بالشكل ده؟! وإزاي أمي، اللي أنا واثق فيها، تسيبها من غير أكل ولا رعاية، وتمشي وتسيب كل حاجة وراها؟ مريم مسكت دراعي، وبصتلي بخوف واضح في عينيها. — أرجوك يا أحمد… متتخانقش معاها عشاني.

وبعدين قالت جملة وجعتني أكتر من أي حاجة: — هي هتلومني أنا في الآخر، وهتقول إني السبب في كل اللي حصل. مكنتش عارف أرد عليها بإيه. فقررت أسكت وأشوف بنفسي حجم الكارثة اللي حصلت. دخلت المطبخ وفتحت التلاجة. ولما شفت اللي جواها، حسيت إن غضبي بيزيد. التلاجة كانت فاضية تقريبًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *