الملياردير اتجنن

أقدر أطلبها، فهي إن الشركة تحط نظام واضح للشكاوى والمراجعة، بحيث أي موظف يكتشف مخالفة يقدر يبلغ عنها من غير ما ېخاف على مستقبله. مش أنا بس. أي حد.
فؤاد رد فورًا
هبدأ في الإجراءات دي مع مجلس الإدارة.
مريم ابتسمت.
كده يبقى فيه فايدة حقيقية من اللي حصل.
ثم قام فؤاد من مكانه، وقال
وعندي عرض عمل رسمي ليكي، لو لسه مهتمة.
المرة دي، ما اندفعتش مريم بالموافقة، ولا رفضت بدافع الڠضب.
طلبت تعرف طبيعة الدور، والمسؤوليات، والراتب، والجهة اللي هتراجع أداءها.
وبعد مناقشة واضحة، وافقت على إنها تنضم إلى فريق مراجعة مستقل داخل المجموعة، بعد انتهاء الإجراءات القانونية اللازمة، وبصلاحيات محددة تضمن استقلال عملها.
ماكانش المنصب مكافأة على إنها أحرجت الملياردير.
كان فرصة مبنية على خبرتها، بعد ما اتراجع شغلها واتأكدت كفاءتها.
وفي يومها الأول، دخلت الشركة من البوابة الرئيسية، وهي شايلة نفس الملف الأسود اللي كانت حطته على مكتب فؤاد في أول مقابلة.
لكن المرة دي، ماكانتش داخلة عشان توصل طلبًا.
كانت داخلة عشان تبدأ فصلًا جديدًا من حياتها.
الفصل السابع الملياردير يتعلم الدرس الأصعب
بعد مرور عدة شهور، مجموعة المنشاوي أعلنت عن تغييرات في إجراءات الرقابة الداخلية، وإنشاء قناة مستقلة للإبلاغ عن المخالفات، مع مراجعة الملفات القديمة وتوثيق نتائج التحقيقات وفق القانون.
أما شريف، فواجه الإجراءات القانونية المتعلقة بما أثبته التحقيق، وبقيت مسؤوليته النهائية خاضعة لنتائج الجهات المختصة، بدلًا من إن القضية تتقفل خلف أبواب الشركة.
ومريم بدأت تستعيد ثقتها في نفسها.
كانت بتروح شغلها كل يوم، وتراجع الملفات، وتتعلم، وتطور مهاراتها، وتساعد زملاءها الأصغر منها خبرة.
وفي نفس الوقت، ما نسيتش الناس اللي كانوا معاها في أصعب فترة.
فضلت تساعد والدتها، وتسدد الديون بالتدريج، وتدخر جزءًا من مرتبها عشان تكمل الشهادات المهنية اللي كانت بتحلم بيها.
أما فؤاد، فكان بيحاول يغير طريقته في التعامل مع الناس.
مش كل يوم كان بينجح، لكنه بدأ يفهم إن احترام الآخرين مش ضعف، وإن الشخص اللي بيخدمك أو بيقدم لك خدمة مش أقل منك.
وفي إحدى الأمسيات، كان عنده اجتماع مهم في الشركة، وطلب وجبة غداء من نفس المطعم اللي طلب منه يوم ما قابل مريم.
لما وصل الطلب، استلمه بنفسه من مندوب التوصيل.
كان شابًا صغيرًا، شكله مرهق من طول اليوم.
فؤاد شكره، وسأله إذا كان محتاج مساعدة في الوصول للمصعد.
الشاب ابتسم باستغراب.
شكرًا يا فندم، أنا عارف الطريق.
فؤاد أخد الوجبة، لكنه قبل ما يمشي، رجع ناداه.
استنى لحظة. أنا عايز أقولك حاجة.
الشاب وقف.
فؤاد قال
لو حصل تأخير في أي طلب بسبب الأمن أو الزحمة، ما تحملش نفسك مسؤولية حاجة مش بإيدك. المهم إنك تبلغ العميل بالحقيقة، وتتعامل باحترام. وأنا المفروض أعمل نفس الشيء.
الشاب ما فهمش ليه رجل أعمال مشهور بيقوله الكلام ده، لكنه ابتسم وشكره.
وفي آخر اليوم، فؤاد دخل مكتب مريم.
كانت قاعدة قدام الكمبيوتر، بتراجع تقريرًا ماليًا.
قال لها
ممكن آخد دقيقة من وقتك؟
رفعت رأسها.
اتفضل يا فندم.
بص لها، ثم قال
فاكرة اليوم اللي ډخلتي فيه مكتبي بكيس الأكل؟
مريم ضحكت.
صعب أنساه.
أنا كمان. وكل ما أفتكره، بستغرب إزاي قدرت أحكم على إنسانة ماعرفهاش لمجرد إنها كانت بتشتغل شغل أنا شايفه أقل من مستوايا.
مريم قفلت الملف قدامها.
المشكلة مش في إن حضرتك غني يا فندم. ولا إن أنا كنت بشتغل دليفري. المشكلة إنك افتكرت إن الفرق بيننا في الفلوس معناه إنك تقدر تقلل مني.
فؤاد أومأ.
وعشان كده، أنا عايز أسألك سؤالًا. لو رجع بي الزمن، كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟
فكرت مريم للحظة.
أيوه. كنت هسلّم الطلب، وأتكلم باحترام، وأرفض الإهانة. لكن مش عشان أثبت لحضرتك إني ذكية. كنت هعمل كده عشان أنا عارفة نفسي، ومش محتاجة حد يحدد قيمتي.
فؤاد ابتسم.
أتمنى أتعلم أعمل زيك.
مريم ردت بابتسامة هادئة
التعلم مش عيب يا فندم. العيب إن الإنسان يفضل مصرّ إنه عارف كل حاجة.
ضحك فؤاد، ثم استأذن وخرج.
ومريم رجعت لشغلها.
كانت عارفة إن حياتها ما بقتش مثالية فجأة، وإن النجاح مش معناه إن كل المشاكل اختفت.
لكنها بقت تمتلك شيئًا مهمًا افتقدته فترة طويلة فرصة عادلة، وثقة في نفسها، وإحساس إنها تقدر تبني مستقبلها من جديد.
وفي مساء يوم الجمعة، كانت مريم ماشية في الشارع بعد ما خلصت شغلها، وشافت بنتًا صغيرة واقفة قدام محل، بتساعد والدتها في ترتيب بعض الأغراض.
البنت كانت لابسة هدوم بسيطة، وبتتكلم مع زبون أكبر منها سنًا، والراجل كان بيزعق لها عشان تأخرت في إحضار حاجة طلبها.
مريم وقفت لحظة.
افتكرت نفسها وهي واقفة قدام مكتب فؤاد، والناس بتبص لها كأنها أقل منهم.
قربت من البنت، وقالت لها بهدوء
إنتِ عملتي اللي عليكي؟
البنت هزت راسها.
أيوه، بس هو بيزعق لي.
مريم ابتسمت.
طالما عملتي اللي عليكي، اتكلمي باحترام، لكن ما تصدقيش إن حد يقدر يقلل منك عشان شغلك أو ظروفك.
وبعدين كملت طريقها.
كانت عارفة إن جملة بسيطة ممكن تغير إحساس إنسان بنفسه، زي ما كلمة جارحة ممكن تفضل عايشة جواه سنين.
النهاية مش كل اللي لابس بدلة أغنى منك في كل حاجة
بعد سنة، اتعمل حفل داخلي في مجموعة المنشاوي للاحتفاء بالموظفين اللي ساهموا في تحسين أنظمة العمل والرقابة المالية.
فؤاد وقف قدام الحضور، وبدأ يتكلم عن التغييرات اللي حصلت في الشركة.
وفي نهاية كلمته، قال
فيه درس مهم اتعلمته السنة دي، وعايز كل واحد هنا يعرفه. أنا كنت فاكر إن النجاح والفلوس بيخلوني أقدر أحكم على الناس بسرعة. لكن الحقيقة إن المنصب مش شهادة على الأخلاق، والملابس مش دليل على الذكاء، والفقر مش معناه إن الإنسان أقل قيمة.
وبعدين نادى مريم، وقدمها للحضور باعتبارها واحدة من أعضاء فريق المراجعة اللي ساهموا في تطوير إجراءات الرقابة.
مريم طلعت على المنصة، وشكرت زملاءها، لكنها رفضت إن القصة تتحول إلى حكاية عن بطلة واحدة أنقذت الشركة.
قالت
الحقيقة إن أي مؤسسة محتاجة ناس تقدر تتكلم من غير خوف، ونظام يراجع الأدلة بدل ما يحكم على الأشخاص. وأنا ما كنتش هقدر أوصل للنتيجة دي لو محدش سمعني، ولو مافيش ناس قررت تراجع الملفات بموضوعية.
بعد الحفل، فؤاد قرب منها وقال
عارفة؟ أنا لسه فاكر أول جملة قلتهالك يوم ما وصلتي الغدا.
مريم ابتسمت.
وأنا كمان فاكرة.
قلت لك إن الناس اللي زيك ماعندهاش عقل.
هزت راسها.
أيوه، فاكرة.
فؤاد تنهد.
كنت غلطان.
مريم ردت بهدوء
المهم إنك ما تكررهاش مع حد تاني.
وبعدين مدت إيدها تسلم عليه، وخرجت من القاعة.
ما طلبتش منه ينتقم لها، ولا طلبت إنه يهين شريف قدام الناس، ولا حاولت تستغل الموقف عشان تحصل على امتيازات مش من حقها.
كل اللي كانت عايزاه إنها تستعيد حقها، وتشتغل في مكان يحترمها، وتقدر تبص لنفسها في المراية من غير ما تحس إنها اضطرت تتنازل عن كرامتها عشان تعيش.
وفي اللحظة دي، فؤاد فهم أخيرًا إن أغلى حاجة ممكن الإنسان يمتلكها مش رصيد البنك، ولا حجم الشركة، ولا عدد الناس اللي پتخاف منه.
أغلى حاجة هي إنه يفضل قادر يبص في عيون الناس من غير ما يكسّرهم، وإنه يعرف يعترف بغلطه قبل ما يضطر الزمن يعلمه الدرس بالطريقة الأصعب.
أما مريم، ففضلت محتفظة بالجاكيت القديم بتاع الدليفري في دولابها.
مش لأنها كانت بتفتكر الأيام الصعبة بحزن، لكن لأنها كانت بتفتكر البنت اللي لبسته، ولفت بيه الشوارع، واستحملت
كلام الناس، ورفضت تسمح لأي حد يقنعها إنها أقل من غيرها.
كانت كل ما تشوفه تبتسم وتقول لنفسها
أنا ما بقيتش إنسانة مهمة يوم ما دخلت مكتب الملياردير. أنا كنت مهمة من قبلها بكتير، بس هو اللي ماكانش شايف.
والعبرة من الحكاية؟
ما تحكمش على حد من هدومه، ولا من شغله، ولا من الفلوس اللي في جيبه. ممكن الشخص اللي بتبص له باستعلاء يكون عنده علم وخبرة وأخلاق أكتر منك بكتير.
والأهم من كده، إنك مش محتاج تثبت قيمتك لكل شخص بيقلل منك. أحيانًا، يكفي إنك تعرف نفسك، وتتمسك بحقك، وتكمل طريقك بكرامة.
إنتوا لو مكان مريم، كنتوا هتسامحوا فؤاد بعد اعتذاره، ولا كنتوا هترفضوا التعامل معاه نهائيًا؟ وليه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *