الملياردير اتجنن

واضحة. إيه حكاية التقرير ده؟
شريف حاول يغيّر الموضوع.
يا فندم، إحنا عندنا اجتماع مهم بعد نص ساعة، وفيه مستثمرين مستنيين…
مش هتحرك من هنا قبل ما أفهم!
صوت فؤاد دوّى في المكتب.
ومريم رجعت خطوة لورا، لأنها كانت عارفة إن اللي بيحصل أكبر من مجرد إهانة اتعرضت لها.
هي ماكانتش جاية ټنتقم، لكنها كانت شايفة فرصة لإظهار الحقيقة اللي فضلت مدفونة سنتين.
ومع ذلك، ماكانتش مستعدة تسيب شريف يحمّلها مسؤولية أي حاجة جديدة.
طلعت من شنطتها ورقة تانية، وحطتها على المكتب.
دي قائمة بأرقام المعاملات اللي راجعتها الأسبوع اللي فات. مش هقدر أقول لحضرتك مين المسؤول عنها من غير تحقيق رسمي، لكن أقدر أقول إن فيه تطابق واضح بين طريقة تنفيذها وبين المعاملات القديمة.
فؤاد بص للأرقام.
وبعدين رفع عينيه لشريف.
إنت هتفضل هنا. ومريم…
سكت للحظة، وكأنه لأول مرة مش عارف يخاطبها بإيه.
آنسة مريم، ممكن تستني شوية؟
مريم بصت لساعتها.
أنا عندي طلبات تانية لازم أوصلها يا فندم.
فؤاد اتفاجئ.
إنتِ لسه هتكملي شغل الدليفري؟!
ردت ببساطة
طبعًا. أنا استلمت طلبات، وفي ناس مستنياني. مش هسيبهم يتأخروا عشان حضرتك اكتشفت فجأة إن عندك مشكلة في الشركة.
ولأول مرة، فؤاد ما لاقاش رد مناسب.
مريم لمّت أوراقها، وسابت نسخة التقرير على المكتب، ثم شالت شنطتها.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب وبصت له.
على فكرة يا فندم، أنا فعلًا ماعنديش فلوس كتير. لكن ده مش معناه إني أقل من حضرتك. والفرق بيني وبينك مش إن حضرتك غني وأنا فقيرة. الفرق إن حضرتك قدرت تشتري حاجات كتير بفلوسك، لكن لسه محتاج تتعلم إزاي تحترم الناس.
وبعدها خرجت.
سابته واقف في نص مكتبه، قدامه تقرير مالي ممكن يقلب شركته كلها، ومدير مالي مش قادر يرفع عينيه من الأرض.
لكن إيه اللي حصل لمريم قبل ما تشتغل في الدليفري أصلًا؟
وليه واحدة عندها خبرة في التحليل المالي اضطرت تسيب مجالها وتشتغل في توصيل الطلبات؟
الإجابة كانت وراها حكاية محدش في المكتب يعرفها.
الفصل التاني الحكاية اللي محدش كان يعرفها عن مريم
خرجت مريم من ناطحة السحاب، وركبت الموتوسيكل الكهربائي الصغير اللي كانت بتستخدمه في توصيل الطلبات.
كان الجو حر، والشوارع زحمة، وموبايلها بيهتز كل شوية بإشعارات الطلبات الجديدة.
بصت على الشاشة، ولقت رسالة من المشرف بتاعها
مريم، إنتِ اتأخرتي في الطلب اللي فات. العميل اشتكى، وعايز أعرف سبب التأخير.
تنهدت، وكتبت له إنها وصلت في معادها، لكن الأمن
عطّلها في المبنى.
وبعدها حطت الموبايل في مكانه، وبدأت تتحرك.
بالنسبة لأي حد شافها خارجة من مكتب الملياردير، كان ممكن يتخيل إنها رايحة تبدأ حياة جديدة في شركة كبيرة، أو إنها هتستغل الفرصة عشان تحصل على وظيفة أحسن.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من سنتين، كانت مريم واحدة من أنجح الموظفات في شركة استشارات مالية معروفة. كانت عندها قدرة غريبة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة اللي غيرها بيعديها من غير ما يركز.
كانت تقدر تبص على عشرات الصفحات من الأرقام، وتكتشف إن فيه معاملة واحدة مش ماشية مع الباقي.
مديرها القديم كان بيقول لها دايمًا
إنتِ عندك عين محاسب شاطر، وعقل محقق جنائي! لو فضلتي بنفس المستوى ده، هتبقي من أهم الناس في المجال.
وكانت مريم بتحلم تكمل دراستها، وتحصل على شهادات مهنية أعلى، وتفتح مكتب استشارات خاص بيها في يوم من الأيام.
لكن الحياة أحيانًا بتاخد مننا حاجات من غير ما تستأذن.
والدها توفى فجأة بعد أزمة صحية، وساب وراه ديون متراكمة نتيجة مشروع صغير فشل فيه.
وفي نفس الفترة، اكتشفت مريم إن والدتها محتاجة علاج مستمر ومتابعة طبية، وإن مصاريف البيت أكبر بكتير من مرتبها.
حاولت توازن بين شغلها ومسؤولياتها، لكنها بدأت تتعرض لضغط شديد.
وبعدها حصلت المشكلة اللي غيّرت حياتها.
كانت مريم ضمن فريق مراجعة حسابات شركة تابعة لمجموعة المنشاوي. خلال شغلها، لاحظت إن فيه مبالغ بتخرج من الشركة تحت بند خدمات استشارية، وبتروح لشركة وسيطة اسمها الرواد للخدمات التجارية.
في البداية، افتكرت إن الموضوع مجرد خطأ إداري.
لكن لما راجعت الفواتير، اكتشفت إن بعض الخدمات المكتوبة فيها مالهاش أي مستندات تثبت إنها اتنفذت فعلًا.
والأغرب إن التحويلات كانت بتتكرر بمبالغ قريبة من بعضها، وكل مرة كانت بتتسجل بطريقة مختلفة عشان يصعب تتبعها.
مريم جمعت ملاحظاتها، وكتبت تقريرًا مفصلًا، وقدّمته لمدير فريق المراجعة.
بعدها بأيام، اتطلب منها اجتماع مع شريف، المدير المالي لمجموعة المنشاوي.
كان الاجتماع غريبًا من البداية.
شريف ما سألهاش عن تفاصيل الأرقام، ولا طلب منها تشرح طريقة المراجعة.
كل اللي قاله كان
إنتِ متأكدة إنك عايزة تكملي في الموضوع ده؟
ردت مريم بثقة
طبعًا. دي وظيفتي، ولازم أوصل للحقيقة.
ابتسم شريف ابتسامة باردة.
الحقيقة مش دايمًا بتكون بالشكل اللي إنتِ متخيلاه. ساعات فيه اتفاقات إدارية مش كل الموظفين بيكونوا على علم بيها.
مريم ردت
لو فيه اتفاق رسمي، ممكن أشوف
مستنداته وأراجعها. لكن الأرقام دي مش متوافقة مع الفواتير.
ساعتها، اتغيرت ملامحه.
وقال لها بوضوح
أنا بنصحك تنسي الموضوع ده.
لكنها رفضت.
وبعدها بأسبوع، اتفاجئت باستدعائها لاجتماع داخلي، واتقال لها إن فيه أخطاء في مراجعتها، وإنها خالفت إجراءات العمل.
طلبت تشوف الأدلة، لكن كل مرة كانت بتطلب فيها مستندات، كانت تلاقي ردودًا متناقضة.
وفي النهاية، اتوقف التعامل مع شركتها في الملف، واتشالت من الفريق.
ما اكتفوش بكده.
بعد فترة، انتشرت ملاحظات سلبية عن أدائها المهني بين بعض الشركات اللي كانت بتتقدم لها. ماكانش عندها دليل يثبت مين اللي نشرها، لكنها بدأت تلاحظ إن مقابلات العمل بتخلص فجأة بعد ما أصحاب الشركات يتواصلوا مع جهات عملها السابقة.
حاولت تقاوم.
قدمت في شركات تانية، واشتغلت لفترة قصيرة بعقود مؤقتة، لكن الفرص كانت بتقل.
وفي نفس الوقت، كانت والدتها محتاجة مصاريف العلاج، والإيجار متراكم، والديون اللي سابها والدها ما اختفتش.
لما صاحبتها نصحتها تشتغل في توصيل الطلبات مؤقتًا، مريم ما رفضتش.
قالت لنفسها إن أي شغل شريف أفضل من إنها تمد إيدها لحد.
وهكذا، بدأت تلف الشوارع كل يوم، وتوصل الأكل للناس، وتستحمل نظرات البعض وتعليقاتهم.
كانت بتشوف ناس بتعاملها باحترام، وناس بتكلمها كأنها مش إنسانة.
لكنها ما كانتش بترد.
لأنها كانت بتفتكر نصيحة والدها
يا بنتي، قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه، لكن في الحاجة اللي مستعد يعملها لما محدش بيبص له.
والنهارده، وهي بتفتكر الكلام ده، مريم ما كانتش تعرف إن اللقاء اللي حصل بينها وبين فؤاد المنشاوي هيكون بداية تغيير كبير في حياتها.
في نفس الوقت، داخل المكتب، كان فؤاد قاعد قدام شريف.
التقرير مفتوح بينهم، وعلى شاشة الكمبيوتر ظهرت بعض التحويلات اللي مريم أشارت إليها.
فؤاد كان بيقلب الصفحات بسرعة، وكل ما يقرأ سطرًا، ملامحه كانت بتزداد صرامة.
إنت قلت لي وقتها إن المشكلة مجرد أخطاء محاسبية بسيطة.
شريف حاول يحافظ على هدوئه.
وده اللي كان واضح من المعلومات المتاحة وقتها يا فندم.
طب ليه التقرير مش موجود في الأرشيف؟
ممكن يكون اتنقل مع ملفات تانية.
ومين اللي نقله؟
شريف سكت.
فؤاد رفع عينيه.
أنا بسألك!
مش فاكر بالتحديد.
فؤاد قفل الملف پعنف.
إنت مش فاكر تقرير مالي مهم اختفى من أرشيف شركتي، ومش فاكر مين كان مسؤول عنه، ومش فاكر ليه موظفة اتشالت من الملف بعد ما قدمت ملاحظات؟!
شريف بدأ يفقد تماسكه.
يا فندم، إحنا لازم نكون
منطقيين. البنت دي ممكن تكون بتحاول ټنتقم بسبب اللي حصل لها زمان.
فؤاد رد بسرعة
ممكن. وعشان كده مش هاعتمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *