عدت من العمل
شخصًا لم تتوقع أبدًا أن يكون جزءًا من الخطة.
وفي صباح اليوم التالي، ستظهر أول ورقة ستقلب حياة سلمى بالكامل.
الجزء الثالث
وقف كريم في منتصف غرفة المكتب، وعيناه مثبتتان على الدرج المفتوح.
— مين دخل هنا؟
لم تجبه سلمى.
كانت تقف خلف الباب الداخلي للممر، بينما والدها حسام يراقب الموقف بصمت.
اقترب كريم من المكتب، وأخذ الملف البني بسرعة.
قلب صفحاته واحدة تلو الأخرى، ثم توقف عند الورقة التي تحمل نسخة من عقد ملكية المنزل.
كان واضحًا أنه بدأ يشك.
أخرج هاتفه واتصل بشخص ما.
— الملف اتفتح.
صمت يستمع إلى الطرف الآخر.
ثم قال:
— لأ، مش عارف مين دخل.
وبعد لحظات:
— لازم نتصرف قبل بكرة.
نظرت سلمى إلى والدها.
كان كلاهما يعرف أن البقاء في المنزل أصبح خطرًا.
تراجعا بهدوء إلى الباب الجانبي، وغادرا دون أن يشعر بهما كريم.
في السيارة، لم تتحدث سلمى طوال الطريق.
كانت تحاول استيعاب كل شيء.
الخيانة كانت مؤلمة.
لكن تزوير توقيعها ومحاولة استخدام بيت والدها للحصول على تمويل كانت مسألة مختلفة تمامًا.
قال حسام:
— لازم نروح لمحامي دلوقتي.
— وإنت فاكر كريم هيعمل إيه لما يعرف إني عرفت؟
— عشان كده لازم نسبقه بخطوة.
في صباح اليوم التالي، جلست سلمى في مكتب المحامي عمر الدسوقي.
وضعت أمامه الصور التي التقطتها من هاتف كريم، ونسخ الأوراق التي وجدوها في المكتب.
قرأ عمر المستندات بعناية.
ثم رفع عينيه إليها.
— سلمى، أهم حاجة دلوقتي إنك ما تواجهیش كريم.
— ليه؟
— لأننا مش عارفين لحد فين وصل.
أخرج ورقة من الملف.
— لو حد حاول يقدم مستند مزور باسمك، لازم نثبت إنك ما وافقتيش على أي تمويل، وإن العقار أصلًا مش مملوك لكريم.
تنفست سلمى ببطء.
— البيت باسم بابا.
— ودي نقطة مهمة جدًا.
ثم قال:
— لكن عندي سؤال.
— إيه؟
— مين عنده إمكانية الوصول لأوراقك الشخصية؟
فكرت سلمى.
ثم تذكرت شيئًا.
— نوال.
نظر إليها عمر باهتمام.
— ليه؟
— قبل حوالي سنة، كانت بتساعدني في نقل بعض الأوراق من البيت. وكانت بتطلب مني أحيانًا صورة البطاقة وشهادة الزواج.
صمت عمر.
— هل كانت تعرف كلمة مرور البريد الإلكتروني أو أي حسابات خاصة بك؟
— لأ.
ثم توقفت فجأة.
— لحظة…
تذكرت أن نوال كانت قد طلبت منها قبل عدة أشهر صورة بطاقة الرقم القومي بحجة تسجيل آدم في نشاط رياضي.
قالت سلمى:
— عندها صورة من بطاقتي.
دوّن عمر المعلومة.
ثم قال:
— لازم نعرف إذا كانت الصورة دي استخدمت في أي إجراء.
في ذلك الوقت، وصل إشعار على هاتف سلمى.
كانت رسالة من كريم.
«فينك؟ اتصلت بيكي كذا مرة».
ثم وصلت رسالة ثانية:
«لازم نتكلم».
ثم ثالثة:
«أنا عارف إنك دخلتي المكتب».
شعرت سلمى بقشعريرة.
لم تخبره بأنها كانت مع والدها.
لكنها قررت ألا تكذب.
كتبت:
«أيوه، دخلت».
جاء الرد فورًا:
«ليه؟»
كتبت:
«كنت بدور على ورقة تخصني».
ظل يكتب لفترة طويلة.
ثم أرسل:
«مفيش حاجة تخصك هناك».
ابتسمت سلمى بسخرية.
كان ذلك بالضبط ما توقعته.
ردت:
«تمام».
ثم أغلقت الهاتف.
بعد دقائق، اتصل بها والدها.
— سلمى، حصلت على حاجة مهمة.
— إيه؟
— سألت البنك اللي كان بيتعامل معاه كريم.
توقفت عن التنفس.
— ولقيت إيه؟
— في طلب تمويل باسم شركة جديدة.
— الشركة اللي في الملف؟
— أيوه.
ثم أضاف:
— والمفاجأة إن الطلب كان مرتبط بضمان عقاري.
— البيت؟
— بالضبط.
جلست سلمى صامتة.
قال والدها:
— وفي حاجة أسوأ.
— إيه؟
— المستندات اللي قدموها بتقول إنك وافقتِ على استخدام العقار.
أغمضت سلمى عينيها.
— أنا ما وافقتش.
— عارف.
— طيب مين وقّع؟
صمت والدها.
ثم قال:
— التوقيع شكله قريب جدًا من توقيعك.
شعرت سلمى بأن قلبها سقط في صدرها.
لكنها لم تكن تعرف أن هناك نسخة أخرى من المستندات ستظهر بعد ساعات.
نسخة تحمل تاريخًا أقدم بكثير من اليوم الذي بدأت فيه تشك في كريم.
وفي المساء، عادت نوال إلى المنزل ومعها آدم.
كان الطفل سعيدًا ويحمل لعبة جديدة.
ركض إلى أمه.
— ماما! جدتي اشترتلي العربية دي!
احتضنته سلمى.
ثم نظرت إلى نوال.
— شكرًا.
ابتسمت نوال.
— ده ابني زي ما هو ابنك.
كانت الجملة تبدو طبيعية.
لكن سلمى لم تعد تثق بأي كلمة منها.
قالت نوال:
— كريم اتصل بي وقال لي إنك متضايقة منه.
— هو قال لك كده؟
— آه. قال إنك بقالك يومين مش طبيعية.
ابتسمت سلمى بهدوء.
— يمكن عشان عندي شوية مشاكل في الشغل.
نظرت نوال إليها لثوانٍ.
ثم قالت:
— المهم ما تخلّيش الشك يخرب بيتك.
توقفت سلمى.
— شك؟
— قصدي… ما تخليش ضغط الشغل يأثر عليك.
كانت نوال قد قالت الكلمة قبل أن تنتبه.
لكن سلمى لاحظتها.
«الشك».
من قال لنوال إن هناك شكًا أصلًا؟
في تلك الليلة، انتظرت سلمى حتى نام آدم.
ثم فتحت جهاز الكمبيوتر.
بدأت تبحث في بريدها القديم.
كانت تريد معرفة ما إذا كانت نوال قد أرسلت لنفسها أي مستندات من قبل.
وبعد نصف ساعة، وجدت رسالة قديمة.
مرسلة من عنوان لا تعرفه.
الموضوع:
«الأوراق المطلوبة».
فتحتها.
كان فيها ملف مرفق.
وحين فتحته، ظهر مستند جعل الدم يهرب من وجهها.
كان عبارة عن نسخة من عقد تأسيس شركة.
وفي خانة الشركاء…
ظهر اسم كريم.
واسم نادين.
لكن الاسم الثالث جعل سلمى تضع يدها على فمها من الصدمة.
كان اسم نوال.
والأغرب أن تاريخ تأسيس الشركة كان قبل عامين.
أي قبل أن يبدأ كريم بالحديث عن حاجته إلى قرض.
وقبل أن تتوقف الكاميرات لأول مرة.
وضعت سلمى يدها على صدرها.
الآن فهمت شيئًا مهمًا.
الخيانة لم تبدأ منذ شهر.
ولا منذ مرض آدم.
لقد كانت هناك خطة مستمرة منذ سنوات.
لكن السؤال الذي ظل يؤرقها:
لماذا كانوا يحتاجون إلى توقيعها تحديدًا؟
وفي صباح اليوم التالي، سيصلها جواب هذا السؤال في رسالة من شخص مجهول.
رسالة قصيرة من سبع كلمات فقط:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة عن جوزك، تعالي لوحدك.»
وتحتها عنوان مكان لم تذهب إليه سلمى من قبل.
كانت تعرف أن الذهاب قد يكون خطيرًا.
لكنها كانت تعرف أيضًا أن تجاهل الرسالة قد يجعلها تخسر أكثر مما خسرت بالفعل.
لذلك قررت الذهاب.
لكنها لم تكن تعلم أن الشخص الذي ينتظرها هناك…
كان يعرف سرًا عن كريم لم يعرفه أحد طوال سبع سنوات من الزواج.
الجزء الرابع
ظلت سلمى تحدق في الرسالة المجهولة طويلًا.
«لو عايزة تعرفي الحقيقة عن جوزك، تعالي لوحدك.»
وتحتها كان العنوان.
مكان صغير في منطقة هادئة على أطراف القاهرة.
لم يكن اسم المرسل موجودًا.
ولا رقم هاتف.
فقط الرسالة والعنوان.
كان من الممكن أن تتجاهلها.
بل كان من المنطقي أن تتجاهلها.
لكن بعد كل ما اكتشفته، لم تعد قادرة على العيش وسط هذا الكم من الأسئلة.
في النهاية، قررت الذهاب.
لكنها لم تذهب وحدها.
أخبرت والدها بالمكان، وطلبت منه أن ينتظرها في سيارته على مسافة قريبة.
كما أرسلت لعمر، محاميها، صورة من الرسالة.
— لو ما اتصلتش بيك خلال ساعة، اعمل اللي اتفقنا عليه.
قال عمر:
— ما تدخليش أي مكان مقفول، وما تسلميش أي مستند أصلي لأي حد.
أغلقت سلمى الهاتف.
وفي العاشرة صباحًا، وصلت إلى العنوان.
كان مبنى قديمًا يضم مكاتب صغيرة.
صعدت إلى الطابق الثاني.
وجدت بابًا مكتوبًا عليه:
«مكتب المحاسبة والاستشارات المالية».
طرقت الباب.
فتح رجل في أواخر الخمسينيات.
نظر إليها لثوانٍ.
ثم قال:
— أنتِ سلمى؟
— أيوه.
تنحى جانبًا.
— ادخلي.
دخلت وهي تشعر بالتوتر.
أغلق الرجل الباب، ثم قال:
— اسمي فؤاد منصور.
جلست سلمى.
— إنت اللي بعت الرسالة؟
— أيوه.
— تعرف كريم منين؟
تنهد فؤاد.
— كنت المحاسب اللي أسس الحسابات الأولى للشركة اللي فتحها هو ونادين ونوال.
شعرت سلمى بالصدمة.
— إنت كنت شريكهم؟
— لأ. أنا كنت أشتغل معاهم فقط.
ثم أخرج ملفًا كبيرًا.
— لكن قبل ما أكمل، لازم تعرفي حاجة.
فتح الملف.
— كريم ما بدأش الشركة عشان شغله.
وضعت سلمى عينيها على الأوراق.
— أمال بدأها ليه؟
قال فؤاد:
— عشان يحول فلوس من شركة لشركة، وبعدها يطلعها بشكل قانوني ظاهريًا.
تغير وجه سلمى.
— فلوس مين؟
— فلوس من مشاريع كان بيديرها في شركته الأصلية.
أخرج مجموعة من كشوف الحسابات.
— خلال عامين، مبالغ كبيرة خرجت على دفعات صغيرة، واتنقلت لحسابات مرتبطة بالشركة الجديدة.
قالت سلمى:
— ونادين ونوال؟
— كانوا عارفين.
شعرت سلمى بأن الأمر أصبح أكبر بكثير مما توقعت.
ثم قال فؤاد:
— لكن في مشكلة.
— إيه؟
— الشركة الجديدة كانت محتاجة أصل قوي تضمن به تمويل كبير.
— البيت.
هز رأسه.
— بالضبط.
شعرت سلمى بالغثيان.
— لكن البيت مش بتاعي أصلًا.
— كريم كان يعرف.
— أمال ليه حاول يستخدم اسمي؟
نظر إليها فؤاد مباشرة.
— لأن توقيعك كان بالنسبة له أسهل طريق.
ثم أخرج مستندًا آخر.
— شوفي التاريخ.
نظرت سلمى.
كان التاريخ يعود إلى أكثر من عام.
— المستند ده اتجهز قبل ما تعرفي أي حاجة عن الشركة.
ثم أضاف:
— وفيه حاجة أهم.
قلب الصفحة.
ظهر اسم شركة تأمين.
— كريم كان بيحاول يحصل على تأمين على قرض كبير.
سألت سلمى:
— وبعدين؟
قال فؤاد:
— لو حصل تعثر، كانوا هيستخدموا العقار كضمان.
— لكنهم ما يقدروش.
— إلا لو قدروا يثبتوا إنك وافقتِ.
صمتت سلمى.
ثم سألت:
— مين زور توقيعي؟
تردد فؤاد.
— أنا ما شفتش الشخص بعيني.
— لكنك تعرف.
— أعرف مين كان عنده نسخة من توقيعك.
سكت لحظة.
ثم قال:
— نوال.
أغمضت سلمى عينيها.
كانت قد توقعت ذلك.
لكن سماعه من شخص آخر جعل الأمر أكثر قسوة.
وفجأة، وضع فؤاد ورقة صغيرة أمامها.
— دي أهم حاجة عندي.
نظرت إليها.
كانت رسالة بخط اليد.
عرفت سلمى الخط فورًا.
كان خط كريم.
قرأتها.
وكان مضمونها أن نوال ستتولى «الجزء الخاص بسلمى» وأن كريم سيضمن ألا تعرف شيئًا حتى يتم توقيع الأوراق.
لكن فؤاد قال شيئًا جعلها تتجمد:
— فيه شخص تاني كان كريم خايف منه.
— مين؟
— واحد اسمه ياسين.
— مين ياسين؟
— موظف سابق في الشركة.
ثم أضاف:
— هو أول واحد اكتشف تحويلات الأموال.
سألت سلمى:
— وفين هو؟
— اختفى من الشركة من حوالي ثمانية أشهر.
— اختفى؟
— استقال فجأة، وبعدها سافر.
أعطاها فؤاد رقمًا.
— ده آخر رقم عندي ليه.
احتفظت سلمى بالرقم.
وقبل أن تنهض، قال فؤاد:
— سلمى، لازم تتحركي بسرعة.
— ليه؟
— لأن كريم عرف إني بتكلم معاكِ.
شعرت سلمى بصدمة.
— عرف إزاي؟
— مش عارف.
ثم أضاف:
— لكن امبارح حد اتصل بي وقال لي: «ابعد عن سلمى».
خرجت سلمى من المكتب بسرعة.
في السيارة، اتصلت بوالدها.
— بابا، لازم نتحرك دلوقتي.
— حصل إيه؟
— كريم كان بيخطط لاستخدام البيت كضمان لقرض كبير.
صمت حسام.
— عندنا مستندات؟
— أيوه.
— خلاص. هنوديها لعمر.
لكن قبل أن تتحرك السيارة، وصل إشعار على هاتف سلمى.
رسالة جديدة.
من نفس الرقم المجهول.
«ما تثقيش في فؤاد بالكامل.»
توقفت سلمى عن الكلام.
ثم وصلت رسالة ثانية: