قدام أكتر من 15 مدير ومسؤول في الشركة، جوزي سمح لمديرة مكتبه المقربة إنها تضربني 12 قلم، وقال بمنتهى البرود:— بعد اللي هيحصل ده، مش عايز أسمع عن الموضوع ده تاني. أنا ما عيطتش، وما اتخانقتش، ولا حتى حاولت أبرر نفسي. لمّيت الملف بتاعي من على الأرض، وخلعت دبلة جوازي وحطيتها قدامه على الترابيزة، وبعدين اتصلت بمحاميتي. تاني يوم الصبح، هو اكتشف ليه 17 براءة اختراع في شركته اتجمّدوا في نفس الوقت...الجزء الأول — اتناشر قلم. ولما تخلصي، الموضوع ده يتقفل نهائي. دي كانت كلمات جوزي، أحمد المنشاوي، قدام أكتر من خمستاشر مدير ومسؤول في شركة المنشاوي للصناعات الدوائية، في اجتماع مجلس الإدارة بمقر الشركة في التجمع الخامس. كان فيه اتنين من الأمن ماسكين دراعاتي، وداليا شريف، مديرة قطاع التطوير ونائبة أحمد، واللي كانت أقرب واحدة ليه في الشغل بقالها أربع سنين، واقفة قدامي وبتبكي. أنا أصلًا ما كنتش رايحة أعمل خناقة ولا أواجهه بسبب داليا. كنت رايحة الشركة ومعايا ملف بني، بعد ما اكتشفت حاجة خطيرة في مشروع توزيع جديد. فلوس بتطلع على دفعات صغيرة علشان محدش ياخد باله، وشركات موردين أسماء أصحابها مختلفة لكن في الآخر طلع بينهم صلة ببعض، والأسوأ من كل ده إن جزء من الفلوس كان أصله خارج من حساب باسمي أنا. كنت لسه هفتح الملف وأتكلم...لكن داليا سبقتني. بصت لأحمد وهي بتعيط وقالت: — أنا كل اللي عملته إني اشتغلت لمصلحة الشركة... مش فاهمة ليه مراتك مصممة تحرجني قدام الناس بالشكل ده!بصيت لأحمد مستنية منه على الأقل يسألني أنا جاية ليه. لكنه حتى ما مدش إيده للملف. بصلي وقال: — إنتي النهارده عديتي كل الخطوط الحمراء. قلت له بهدوء: — إنت متأكد من اللي إنت ناوي تعمله؟رد من غير تردد: — متأكد جدًا. وفجأة...أول قلم نزل على وشي. رأسي لف ناحية تانية، وسمعت همهمة خفيفة في القاعة. لكن محدش اتحرك. القلم التاني...والتالت...لحد الخامس. عند القلم الخامس، معظم الموجودين بقوا بيبصوا في الأرض. عند القلم التامن، داليا وقفت لحظة كأنها مترددة، وقالت بصوت واطي: — أحمد... يمكن كفاية كده. هو ما ردش. بس بص لها نظرة واحدة. وهي فهمت. وكملت. القلم التاسع...العاشر...الحادي عشر...والقلم التاني عشر خلاني أحس إن ودني الشمال بتزن، وشفت الدم نازل من شفايفي. لما الأمن ساب دراعاتي، اتسندت على الترابيزة ثواني علشان أستعيد توازني. كلهم كانوا مستنيين إني أعيط. أصرخ. أشتم. أعمل فضيحة. لكن أنا ما عملتش أي حاجة من دي. انحنيت بهدوء، لمّيت الملف اللي وقع مني، وحطيته قدام أحمد. وبصيت له وقلت: — تمام. سكت لحظة، وبعدين كملت: — من النهارده، كل حاجة تخص الشركة دي... مالهاش علاقة بيا. واحد من المديرين نزل عينه في الأرض. واحد تاني بص لأحمد باستغراب. وأغلبهم افتكروا إني بقول كلام غضب وخلاص. لكن ممدوح رشدي، المدير المالي للشركة، كان الوحيد اللي وشه اتغير. كان عارف حاجة هما كلهم ما يعرفوهاش. أنا خرجت من الشركة من غير ما أقول كلمة زيادة. في نفس الليلة، رجعت البيت، غسلت الدم اللي كان على شفايفي، ووقفت قدام المراية شوية. وبعدين بعت 3 رسايل. أول رسالة كانت لمحاميتي، سلمى حمدي: «ابدئي الإجراءات اللي اتفقنا عليها.» الرسالة التانية كانت لمسؤول إدارة الأصول والصندوق العائلي: «أوقفوا كل التراخيص والضمانات والموافقات المعلقة اللي محتاجة توقيعي.» والتالتة كانت لمساعدتي: «وقفي أي تجديد أو عقد جديد محتاج إمضتي.» بعدها فتحت الدولاب، لمّيت هدومي الأساسية في شنطة. وبعدين بصيت لدبلة جوازي. شلتها من إيدي...وحطيتها على التسريحة. ومشيت. أحمد رجع البيت بعد كام ساعة. ولما لقى الشقة فاضية، ضحك بسخرية. كان فاكر إني بعمل حركة علشان أخوفه. بل بالعكس، كان متأكد إني تاني يوم ههدى، وهيرجع يلاقيني مستنياه، ويمكن يجيبلي ورد أو هدية غالية، ونخلص الموضوع. لكن قبل نص الليل...موبايله بدأ يرن. المكالمة الأولى كانت من البنك.— أستاذ أحمد، تجديد التسهيلات الائتمانية اتوقف مؤقتًا. اتنرفز: — يعني إيه اتوقف؟!قبل ما يفهم، جاله اتصال تاني. المرة دي من واحد من أكبر الموردين.— إحنا هنجمّد التوسعة الجديدة للعقد لحد ما الصورة تتوضح. وبعدها بدقايق...اتصل شريك أجنبي بالشركة وألغى مراجعة فنية كانت متحددة الصبح. أحمد بدأ يتوتر. ولأول مرة من ساعة ما رجع البيت، فتح اللابتوب وقعد يتابع الإيميلات. الساعة سبعة الصبح بالظبط، ممدوح رشدي، المدير المالي، اتصل بيه. صوته كان متوتر بشكل واضح.— أحمد... إنت تقدر توصل لمراتك؟أحمد اتنهد بضيق.— مالها؟ هي عملت اللي عملته ومشيت. ممدوح سكت ثانيتين.— محتاجين نوصل لها فورًا.— ليه؟ممدوح بلع ريقه وقال: — لأن فيه كذا موافقة أساسية في الشركة... متسجلة باسمها. أحمد ضحك ضحكة قصيرة مليانة ثقة.— مراتي؟! دي مالهاش دعوة بإدارة الشركة. إنت عارف كويس إن أنا اللي ماسك كل حاجة. ممدوح رد بصوت هادي: — دي بالظبط المشكلة يا أحمد...سكت لحظة، وبعدين قال: — دي كانت فكرتك إنت. أحمد حس بحاجة غريبة في صدره. فتح درج مكتبه بسرعة، وطلع نسخة من بعض العقود القديمة. وبدأ يقلب فيها. اسمها كان موجود. مرة...واتنين...وتلاتة. لكن اللي صدمه فعلًا...إن اسمها ما كانش مجرد اسم على ورق. كان توقيعها هو الضمان القانوني لعدد من أهم التراخيص والاتفاقيات اللي الشركة كلها قائمة عليها. وفي الوقت اللي 3 إدارات في الشركة كانوا بيوقفوا شغلهم واحدة ورا التانية...أحمد أخيرًا مد إيده للملف البني اللي كنت حطيته قدامه يومها. فتحه. وأول ورقة شافها...خلّت وشه يشحب. لأنه اكتشف إن الملف ما كانش مجرد مستندات تثبت مخالفات مالية. الملف كان فيه حاجة تانية أخطر بكتير...حاجة لو ظهرت للعلن، مش بس هتوقف الـ17 براءة اختراع. دي كانت ممكن تغيّر مصير الشركة كلها...وأحمد وقتها فهم إنه في اليوم اللي سمح فيه بضربي قدام كل الناس...هو بنفسه كان بيوقّع على أول خطوة في نهايته. واللي ما كانش يعرفه لسه...إن الـ17 براءة اختراع ما اتجمّدوش بسبب انتقام مني. كان فيه سبب قانوني محدد...وأنا كنت عارفة السبب ده من قبل ما أدخل قاعة الاجتماع أصلًا. الجزء الثانيوقفت أمام الشباك في شقة زميلتي السابقة بالقاهرة الجديدة، أشرب القهوة في صمت بينما تشرق شمس اليوم التالي. لم يكن في وجهي سوى ألم خفيف وأثر أحمر باهت، لكن ذهني كان يعمل بمنتهى الصفاء والهدوء. في هذه الأثناء، في مقر الشركة بالتجمع الخامس، كانت الأجواء تغلي. أحمد كان يجلس في مكتبه، والملف البني مفتوح أمامه على المكتب. الأوراق التي بين يديه لم تكن مجرد كشف لمعاملات داليا المالية المشبوهة، بل كانت أوراق ملكية وأبحاث وتطوير. الـ17 براءة اختراع التي تقوم عليها أدوية الشركة الأكثر مبيعاً في السوق، لم تكن مسجلة باسم "المنشاوي للصناعات الدوائية" كما كان يعتقد أحمد طوال السنوات الخمس الماضية. الأبحاث الممولة، وتجارب المعامل، والتسجيلات الأولية في وزارة الصحة ومكتب الملكية الفكرية، كانت مسجلة باسم "المبتكر الأول والضامن المالي": الدكتورة فريدة عبد الرحمن... أنا. أحمد كان قد أصرّ قبل سنوات، عندما كنا نؤسس قطاع التطوير، أن أكون أنا المالك المسجل للابتكارات لتجنب الضرائب المرتفعة على الشركات واستغلال التسهيلات المقدمة للباحثين المستقلين، على أن تنقل الملكية للشركة فور سداد أول القروض الاستثمارية. وكان هو من أجل نقل الملكية عدة مرات للتهرب من الرسوم والتأمين. طرق باب المكتب بقوة. دخل ممدوح رشدي وهو يحمل كمية من الأوراق، ووجهه خالي تماماً من الألوان. خلفه دخلت داليا، عيناها متورمتان ويدها ترتجف. أحمد صرخ بوجه ممدوح:— يعني إيه الأبحاث باسمها؟ إحنا صرفنا ملايين من حسابات الشركة على التطوير ده!رد ممدوح بصوت متدحرج:— الحسابات اللي صرفت منها الشركة يا أحمد... أصلها التسهيلات الائتمانية المقترنة باسم فريدة وبضمان أسهمها في صندوق العائلة. لما هي بعتت إخطار بالتجميد ليلة البارحة، البنوك طبقت بند 'المخاطر القانونية العليا'. النظام آلياً جمد أي عقود وتطويرات مقترنة بضمانتها. الـ17 براءة اختراع بقوا قانونياً مؤجلين لحين فك التجميد أو إثبات الملكية الكاملة... وده معناه إن خطوط الإنتاج الخمسة الرئيسية للشركة هتتوقف قانونياً خلال 48 ساعة! التفت أحمد بغضب عارم إلى داليا، التي انكمشت في مكانها وقالت بصوت متهدج:— أحمد... هي بتلعب بيك.. أكيد فيه حل، المسببات القانونية دي ممكن نرفع عليها قضية خيانة أمانة!ممدوح نظر إليها بنظرة ازدراء حادة وقال:— خيانة أمانة؟ الورق اللي فريدة سابته في الملف البني قبل ما تضربيها... فيه إثبات إنك حولتي 14 مليون جنيه لحسابات شركتين وهميتين مسجلين برقم مفوضيتك إنتي، والأدهى إن بعض التحويلات طلعت من حساب فريدة اللي إنتي زورتي توقيعها عليه في تفويض البنك المساعد! فريدة ما كانتش جاية تعمل مشكلة.. فريدة كانت جاية تحذره من الجريمة اللي إنتي ورطتيه فيها!سقطت الكلمات على أحمد كالصاعقة. تراجع للخلف وسقط على كرسيه. تذكر اللحظة التي كانت داليا تبكي فيها وتدعوه لمعاقبتي. تذكر كيف وقفت أنا بمنتهى الثبات ولم أدافع عن نفسي. تذكر القلم الأول.. والتاسع.. والثاني عشر. بدأ يتنفس بصعوبة. لم تكن المسألة مجرد صفعة لزوجته، كانت ضربة قاضية لكرامته ولشركته التي بناها. قام بسرعة ورفع هاتفه، اتصل برقمي. الخط رن مرة... اثنتين... ثم ردت سلمى حمدي، محاميتي. أحمد بصوت مشحون بالغضب والارتباك:— فريدة فين؟ خليها تكلمني فوراً! اللعب ده هيوديها في داهية قبل ما يوديني! ردت سلمى بصوت ثلجي حاسم:— موكلتي مش هتتكلم معاك يا أستاذ أحمد. كل التعاملات من اللحظة دي هتكون عن طريقي. وقبل ما تفكر في أي إجراء، نحب نبلغك إننا تقدمنا صباح اليوم ببلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة الاعتداء والضرب المبرح والمصادق عليه بشهادة أفراد الأمن والمديرين اللي كانوا حاضرين في القاعة، بالإضافة لتقرير طبي مبدئي بإصابة في الأذن والشفة. أحمد أحس بالدم يهرب من وجهه:— اعتداء إيه وقضايا إيه؟ دي مشاكل عائلية وتتحل! الشركة هتقف يا سلمى! 17 براءة اختراع خط إنتاجها واقف!سلمى:— الشركة مسألة تجارية تتكفل بيها المحكمة الاقتصادية. بالنسبة لخطوط الإنتاج وبراءات الاختراع، الدكتورة فريدة استخدمت حقها القانوني كمالك وحيد ومبتكر مسجل بتجميد الحقوق الحصرية للشركة في استخدامها، نظراً لإخلال الشركة بشروط رعاية الأبحاث والتزوير المالي المثبت بالملف البني اللي عندك. سكتت سلمى ثانية واحدة ثم أضافت:— سلم لي على الاستاذة داليا... وقولها تتجهز لنيابة الأموال العامة. أغلقت الخط. سقط الهاتف من يد أحمد. نظر إلى داليا بغضب لا يطاق.— إنتي زورتي توقيع فريدة؟داليا وهي تتراجع للخلف وتبكي بشكل هيستيري:— أحمد.. أنا عملت كده عشان كاسات التوسعة.. إنت عارف إحنا كنا محتاجين السيولة دي إزاي! هي ما كانتش هتعرف لو ما دخلتش في المستندات القديمة!أحمد صرخ بعلو صوته:— بره!! اطلعي بره مكتبي وما شوفش وشك في الشركة دي تاني!خرجت داليا تركض، بينما جرى ممدوح رشدي خلفها لطلب الأمن وسحب صلاحياتها قبل أن تمحو أي دليل إلكتروني. جلس أحمد في مكتبه المتسخ بالصمت. استرجع صورته وهو يمرر الأوامر لضربي، وصورتي وأنا أجمع أوراقي بهدوء وأخلع الدبلة. في الساعة الثانية ظهراً، كانت الأخبار قد بدأت تتسرب. أسهم الشركة في البورصة بدأت في الهبوط الاضطراري عقب انتشار شائعات عن تجميد خطوط إنتاج الأدوية الحيوية وتأجيل التسهيلات البنكية. في نفس الوقت، كنت أجلس في مكتب المحامية سلمى. كان أمامي ملف أزرق جديد. قالت لي سلمى وهي تضع القلم في يدي:— أحمد حاول يبعت وسطاء من الكبار في السوق عشان يحلوا الموضوع ودي. ومستعد يقدم اعتذار علني في الشركة ويرجع كل حاجة باسمك. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأنا أمسك القلم:— الاعتذار مش هيصلح الدم اللي نزل من شفايفي يا سلمى.. ولا هيسكت زن أذني. أحمد افتكر إن قوته في منصبه وفلوسه، ونسي إن عقلي هو اللي بنى الأساس ده كله. سلمى:— خطواتنا الجاية إيه؟فتحت الملف الأزرق وقلت:— تجميد براءات الاختراع كان مجرد الشلل المباشر للشركة. دلوقتي هنبدأ الخطوة الحقيقية. الموردين الكبار والمصنعين الأجانب مش هيستنوا الشركة لحد ما تفك النزاع القانوني.. التحالف الأجنبي اللي كان ناوي يشتري 30% من الشركة بكرة الصبح، هيطلب يشتري من المالك الحقيقي للتطوير مباشرة. .. يعني مني أنا. في تلك اللحظة، رن هاتف سلمى. كان المتصل هذه المرة ليس أحمد، بل والده، الحج رئيس مجلس إدارة العائلة والمؤسس الفعلي للكيان، والذي كان مسافراً للعلاج خارج مصر. رفعت سلمى الهاتف وضعته على الوضع الصوتي. جاء صوته المجهد والغاضب من على بعد آلاف الكيلومترات:— يا ابنتي يا فريدة.. أنا عرفت باللي عمله الغبي ابني.. الشركة بتضيع يا فريدة، والبيت بيتخرب. أنا نازل مصر طيارة الليلة. رددت أنا بصوت هادئ وثابت:— توصل بالسلامة يا عمي.. بس ياريت تبلّغ أحمد إن اللي حصل في قاعة الاجتماعات ما كانش نهاية جوارنا بس... ده كان بداية إعادة هيكلة كل أملاك عائلة المنشاوي. الجزء الثالثهبطت طائرة الحاج إسماعيل المنشاوي في مطار القاهرة الدولي في تمام الساعة الرابعة فجراً. كان الرجل الثمانيني، رغم مرضه، يتحرك بصرامة شديدة. لم يتجه إلى منزله، بل أمر السائق بالتوجه مباشرة إلى مقر الشركة بالتجمع الخامس، حيث كان أحمد يرابض في مكتبه منذ ليلة الأمس، محاطاً بالدفاتر والمستندات في محاولة يائسة لإيجاد ثغرة قانونية تعيد له السيطرة. عند الساعة السادسة صباحاً، اقتحم الحاج إسماعيل مكتب ابنه. كان يتكئ على عصاه، وعيناه تشتعلان غضباً. خلفه كان يقف ممدوح رشدي ومعه الشؤون القانونية. أحمد وقف مذهولاً:— بابا؟! إنت وصلت إمتى؟ الدكاترة قالوا...قاطعه صوته القاطع وهو يضرب بعصاه على الأرض:— الدكاترة قالوا إني سبت راجل يدير الشركة، ما عرفوش إني سبت عيل طيش هدم شقى عمري في ستة وأربعين ثانية!أحمد حاول التبرير والارتباك يغلبه:— يا بابا إنت مش فاهم اللي حصل! فريدة وداليا كانوا...صرف الحاج إسماعيل بيده بغضب:— داليا مين وفريدة مين؟! إنت فاكرني غايب عن الدنيا؟ المستندات المالية اللي فريدة سابتها وصلتني على إيميلي وأنا في المستشفى قبل ما طائرتي تقوم! داليا كانت بتسرقك من أربع سنين بعلمك أو بغفلتك، وفريدة لما جالت لك تحذرك وتنقذك، سمحت للحرامية إنها تضرب ولي نعمتك ومرتك قدام الناس؟! 17 براءة اختراع يا جاهل! الشركة كلها كانت عايشة على عقل فريدة عبد الرحمن!انحنى أحمد رأسه، والشرر يتطاير من عينيه، لكنه قال بكبرياء زائف:— يا بابا فريدة مش هي المحرك الوحيد، الشركة ليها اسمها وسوقها، والمحامين بتوعنا شغالين على رفع دعوى استعجالية لفك التجميد. الحاج إسماعيل ضحك بسخرية مريرة:— دعوى إيه؟ المحكمة الاقتصادية جمدت التعامل بناءً على الشكوى المقدمة من الشركة الأجنبية شريكتنا بالسويد! الشركاء الأجانب أرسلوا لي خطاباً رسمياً بفسخ التعاقد وتجميد الشراكة الاستثمارية البالغة 40 مليون دولار، لأن البند 12 في العقد ينص على أن ضمانة الأبحاث والجودة مقرونة بالتوقيع الشخصي للدكتورة فريدة! إنت مش بس جمدت 17 براءة اختراع... إنت دمرت القيمة السوقية للشركة، والبورصة هتقفل النهاردة على خسارة 35% من قيمة الأسهم!سقط أحمد على كرسيه وكأن الجدران تنهدم فوقه. في نفس الوقت، كنت أقود سيارتي متجهة إلى أحد أكبر الفنادق بالقاهرة الجديدة. لم أعد أرتدي ملابس العمل التقليدية، بل اخترت بذلة رسمية أنيقة تعبر عن المرحلة الجديدة. في قاعة المؤتمرات بالفندق، كان في انتظاري ممثل التحالف الدوائي الأوروبي، السيد "هنريك"، ومعه وفد قانوني رفيع المستوى. جلسنا على طاولة الاجتماعات. قال هنريك بلغة عربية مكسرة ولكن بابتسامة احترام:— دكتورة فريدة... نحن نتابع الأزمة الأخيرة عن قرب. الشركة السويدية ألغت تعاقدها مع مجموعة المنشاوي، ونحن نعلم تماماً أن العقل المبتكر وراء هذه المركبات العلاجية هو حضرتِك، وأن جميع حقوق الملكية الفكرية والأبحاث العيادية مسجلة برقمك البحثي المستقل. وضعت ملفاً جديداً أمامه وقُلت بثبات:— الأبحاث لم تتوقف، والجيل الثاني من هذه الأدوية جاهز للتسجيل. شركة المنشاوي كانت مجرد حاضنة وتمويل تم تسديد الجزء الأكبر منه من أرباح أبحاثي الخاصة. أنا هنا لأعرض عليكم تأسيس كيان جديد بالكامل... "مؤسسة عبد الرحمن للصناعات الدوائية المتقدمة".هنريك اتسعت عيناه باهتمام:— والشراكة؟— 51% لي، مع الاحتفاظ بحقوق التطوير والابتكار حكراً على الكيان الجديد، ولكم نسبة 49% مقابل التمويل المباشر والتوزيع الدولي. وقّعنا الخطوط العريضة للاتفاق المبدئي في نفس الجلسة. بحلول الظهيرة، جاءت الضربة الثانية لأحمد. شرطة الأموال العامة داهمت مقر شركة المنشاوي. تم الاستدعاء الرسمي لداليا شريف للتحقيق في اتهامات التزوير، والاختلاس، وتسهيل الاستيلاء على أموال الشركة وتزوير توقيعي في المعاملات البنكية. تم القبض عليها من شقتها أثناء محاولتها جمع أغراضها للهرب خارج البلاد. أحمد كان يقف في ساحة الشركة يرى مديرة مكتبه السابقة وهي تُقتاد في سيارة الشرطة وسط ذهول وشوشات جميع الموظفين والعمال الذين شهدوا واقعة الأمس. في تلك اللحظة بالذات، وصلته رسالة نصية على هاتفه من محاميتي سلمى:«تم إيداع صحيفة دعوى الطلاق للضرر، مرفق بها التقرير الطبي الشامل وشهادة شهود واقعة الاعتداء، بالإضافة إلى دعوى المطالبة بالتعويض المالي عن استغلال الحقوق الفكرية طوال الخمس سنوات الماضية بدون وجه حق.»حاول أحمد الاتصال بي عشرات المرات. كان يرسل رسائل متوسلة:"فريدة... أرجوكي اسمعيني.""أنا أخطأت... داليا خدعتني ودمرت كل حاجة. ""بابا جاله ذبحة صدرية وبيطلبك... تعالي نتكلم."لكنني لم أرد على أي منها. كنت أعلم أن ادعاء مرضه مجرد حيلة أخيرة للضغط العاطفي. في الساعة الخامسة مساءً، عقد الحاج إسماعيل مؤتمراً صحفياً طارئاً في مقر الشركة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ووقف انهيار الأسهم. جلس الرجل العجوز أمام الكاميرات والعدسات الصحفية، وإلى جانبه أحمد الذي كان يبدو كالأشباح، شاحباً، غائباً عن الوعي، وعيناه منتفختان من أثر الصدمة والجهد. بدأ الحاج إسماعيل الحديث بصوت مجهد:— نود أن نوضح للرأي العام وللمستثمرين أن شركة المنشاوي تمر بمرحلة إعادة هيكلة إدارية شاملة. .. وقد تم إقالة نائبة رئيس القطاع وتجريدها من كافة صلاحياتها وتحويلها للنيابة العامة...وهنا رفعت إحدى الصحفيات يدها وسألت بجرأة:— سيد إسماعيل... هناك أنباء مؤكدة عن استقالة وتجميد الدكتورة فريدة عبد الرحمن لكافة براءات الاختراع التي تمثل 80% من إنتاج الشركة، بالإضافة إلى رفعها قضايا اعتداء وشرف ضد الأستاذ أحمد المنشاوي... هل هذا يعني إفلاس الشركة وشيكاً؟أحمد التقط الميكروفون بسرعة، ويده ترتجف، وحاول إظهار التماسك:— فريدة هي زوجتي... وما حدث كان مجرد سوء فهم بسيط وسيتم تسويته عائلياً خلال ساعات... والابتكارات هي ملك للشركة و...في تلك اللحظة بالذات، انفتحت الباب الخلفي للقاعة. دخلت أنا، وبجانبي سلمى المحامية والمستشار القانوني للتحالف الأوروبي الجديد. توقفت الكاميرات عن التصويب نحو المنصة، واتجهت كلها نحوي. مشيت بخطوات واثقة ونظرات حادة نحو المنصة. أحمد وقف من مكانه، ووجهه يتغير بين الأمل والخوف:— فريدة... إنتي جيتي...لم أنظر إليه حتى. وقفت بجانب المنصة، وأمسكت بميكروفون جانبي، وبصوت هادئ، واضح، ونافذ وصل لكل الشاشات التي تنقل المؤتمر بثاً مباشراً، قلت:— أود أن أصحح للرأي العام وللمستثمرين معلومة واحدة فقط. ..ساد الصمت القاتل في القاعة. أكملت بثبات:— لا يوجد شيء اسمه 'تسوية عائلية'. ولا يوجد شيء اسمه 'سوء فهم'. بصفتي المالك الفردي والوحيد للـ17 براءة اختراع، أعلن رسمياً اليوم فسخ كافة العقود والتراخيص الممنوحة لشركة المنشاوي للصناعات الدوائية، وإشهار تأسيس الشركة الجديدة بالتحالف مع الشريك الأوروبي... أما بالنسبة للأستاذ أحمد المنشاوي، فالقضاء المصري هو من سيفصل بيننا في جلسة الأسبوع القادم. التفتّ وغادرت القاعة بخطوات منتظمة، بينما اشتعلت القاعة بصحافة تلاحقني بالأسئلة، وأحمد يقف مذهولاً على المنصة، يرى بعينيه نهوته الناجزة، وانهيار إمبراطوريته أمام وسائل الإعلام قاطبة. لكن ما لم يكن يعلمه أحمد، ولا حتى الحاج إسماعيل... أن المفاجأة الكبرى والأخيرة لم تكن في القضايا ولا في براءات الاختراع... بل كانت تمكث في الصندوق العائلي المغلق الذي تسلمت مفاتيحه القانونية قبل ساعة واحدة فقط. الجزء الرابع (قبل الأخير)خرجتُ من القاعة والصحافة تتزاحم خلفي، والصلاشات تتلألأ من كل اتجاه. تركنا أحمد والحاج إسماعيل يخوضان في فوضى الأسئلة والمؤتمر الصحفي الذي تحول إلى كارثة إعلامية مجلجلة. في السيارة، أخرجت سلمى المحامية ملفاً أحمر مخملياً، ووضعته على ركبتي. قالت بصوت خفيض ونبرة تشوبها الهيبة:— ده ملف الصندوق العائلي المغلق اللي كتبه المرحوم والد أحمد من 15 سنة قبل وفاته. .. المستندات دي ما حدش كان يعرف عنها حاجة غير المكتبي القانوني الكبير اللي كان بيحتفظ بالوصية المغلقة. فتحت الملف بحرص. الأوراق لم تكن مجرد وصية عادية، بل كانت عقداً تأسيسياً لمجلس إدارة الصندوق العائلي وتوزيع الحصص الكبرى لمجموعة المنشاوي. والد أحمد، الرجل العاقل الذي كان يعرف طيش ابنه وقسوة طباعه، وضع شرطاً حاكماً ومغلظاً في بند إدارة الصندوق:«تؤول إدارة الصندوق العائلي، وحق الفيتو في تصويت أسهم العائلة (البالغة 55% من أصول الشركة)، إلى الزوجة التي يختارها ابني أحمد، بشرط أن تكون حاصلة على مؤهّل علمي دقيق في مجال الدواء، وتُسجّل بحضورها وإشرافها الأبحاث الرئيسية للشركة، وذلك ضماناً لعدم إهدار أصول العائلة في نزوات إدارية. »سألت سلمى وأنا أقرأ السطور بعيون متسعة:— يعني أحمد والحاج إسماعيل... كانوا بيديروا بموجب موافقتي الصريحة الضمنية طوال السنين اللي فاتت؟ردت سلمى بابتسامة نصر:— بالظبط! بموجب هذا البند، وبما إنك الزوجة الشرعية المسجلة حتى هذه اللحظة، والحاصلة على الدكتوراه في الصيدلة الكيمياء الحيوية، فإنتِ الممثل القانوني الوحيد لأغلبية أسهم الصندوق العائلي. أحمد والحاج إسماعيل كانوا بيمارسوا السلطة الإدارية بتفويض منك انتِ صادر سنة 2021. .. والتفويض ده كان مشروطاً بوجود الاستقرار الزوجي وعدم الإضرار بالذمة المالية أو الجسدية للضامن. الرسالة الثالثة التي أرسلتها ليلة الواقعة لمسؤول إدارة الأصول لم تكن مجرد سحب ضمانات... بل كانت سحباً رسمياً وتلغياً لهذا التفويض!في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة صباحاً، كانت المحكمة الاقتصادية تعقد جلسة طارئة بناءً على طلبنا للتحفظ على إدارة الشركة وتعيين حارس قضائي حتى البت في النزاع. حضر أحمد برفقة فريق ضخم من كبار المحامين في مصر. كان يبدو شاحباً للغاية، الهالات السوداء تحت عينيه، وثيابه المرتّبة أصبحت تبدو مهلهلة على جسده المنهك. جاء الحاج إسماعيل وهو يجلس على كرسي متحرك هذه المرة، وعلامات الهزيمة والكسرة واضحة على وجهه. عندما دخلتُ القاعة، وقف أحمد مسرعاً وحاول الاقتراب مني:— فريدة... أرجوكي... اسمعيني دقيقة واحدة بس.. قبل ما الجلسة تبدأ!وقفت سلمى حائلاً بيني وبينه، لكنني أشرت لها بالابتعاد، ونظرت إليه ببرود تام. قال أحمد بصوت يختنق بالعبرات والندم:— أنا غبي... أنا بعت اللي صانتني عشان واحدة نصابة. أنا بقالي يومين ما بنامش... ضربتك قدام الناس وقضيت على نفسي بيدي. داليا اعترفت في النيابة بكل حاجة.. اعترفت إنها هي اللي أقنعتني أضغط عليكي بالضرب عشان تتنازلي عن الملف وما تفتحيش موضوع التحويلات! أنا كنت أعمى يا فريدة... سامحيني، خدي الشركة، خدي كل حاجة، بس ما تهدّيش اللي بنيناه... ما تكسرنيش أكتر من كده!نظر له القاضي والمحامون وكل من بالقاعة. رددت عليه بصوت هادئ، يصل إلى أذنيه كالسُمّ الناقع:— اللي اتكسر يوم اجتماع مجلس الإدارة ما كانش إمبراطوريتك يا أحمد. .. اللي اتكسر كان ثقتي في إنك بني آدم. إنت ما ندمتش عشان ضربتني... إنت ندمت لما عرفت إن القلم اللي ضربتهولي كان بيطير قصاده ملايينك وبراءات اختراعك. ندمك ده ندم خسارة، مش ندم ضمير. دخل القاضي منصة القضاء، وساد الصمت القاتل. بدأ محامي أحمد يتحدث بحماس، محاولاً التشكيك في إخطارات التجميد، ويدعي أن الدكتورة فريدة استغلت بصفتها زوجة للتمرد على إدارة الشركة والإضرار بالمصلحة العامة للمستثمرين والعمال. عندما جاء دور سلمى حمدي، لم تتحدث كثيراً. تقدمت نحو المنصة وقدمت للقاضي ثلاث حافظات مستندات:الأولى: تقرير نيابة الأموال العامة بثبوت تزوير توقيعي والاستيلاء على أموال الشركة بمساعدة نائبة رئيس المجلس، مع علم وتغاضي رئيس المجلس أحمد المنشاوي. الثانية: سندات الملكية الفردية المطلقة للـ17 براءة اختراع المسجلة باسمي دولياً ومحلياً. الثالثة: العقد التأسيسي للصندوق العائلي، وإلغاء التفويض الصادر لأحمد وإسماعيل المنشاوي. القاضي تقلب بين الأوراق بنظرات متفحصة ودقيقة، بينما كان أحمد يترقب وجه القاضي وكل قطرة عرق تسقط من جبهته تحكي قصة انهياره. رفع القاضي نظره وقال بصوت جاهر في القاعة:— بعد الاطلاع على المستندات والوصايا الحاكمة ذات السند القانوني... قررت المحكمة الآتي:أولاً: فرض الحراسة القضائية الفورية على مجموعة المنشاوي للصناعات الدوائية. ثانياً: وقف صلاحيات الأستاذ أحمد إسماعيل المنشاوي والحاج إسماعيل المنشاوي في الإدارة والتحفيز المالي تماماً. ثالثاً: تثبيت حق الدكتورة فريدة عبد الرحمن في التصرف الفردي بكافة براءات الاختراع والابتكارات المسجلة باسمها، ومنحها إدارة الأسهم الحاكمة للصندوق العائلي. سقطت المطرقة على الطاولة... "رفعت الجلسة."أحمد سقط على ركبتيه في منتصف قاعة المحكمة أمام مرأى ومسمع الجميع. الحاج إسماعيل غطى وجهه بيديه المرتجفتين وبكى في صمت مرير. اقتربت منهما بخطوات هادئة، وقفت أمام أحمد الذي كان ينظر إلى الأرض والدموع تتساقط من عينيه على البلاط الرخامي. انحنيت قليلاً وقلت له بصوت خفيض:— افتكر الكلمة اللي قلتها لي قدام الـ 15 مدير قبل ما تخليني أتنضرب... «بعد اللي هيحصل ده، مش عايز أسمع عن الموضوع ده تاني.»وأنا أهو يا أحمد... مش هتكلم في الموضوع ده تاني أبداً. تركتهم وخلفي صدى انهيارهم الكلي، وخرجت إلى الضوء. لكن المفاجأة التي كانت تنتظر أحمد في اليوم التالي لم تكن داخل المحكمة ولا في الشركة...بل كانت في فيلته الخاصة، عندما وصله إخطار رسمي بالحجز والتنفيذ القضائي على كافة ممتلكاته الشخصية وسيارتك وحساباته الخاصة...لأن داليا شريف، ومن داخل سجن القناطر، قررت ألا تسقط وحدها، وفجّرت القنبلة الموقوتة الأخيرة!الجزء الخامس والأخيرداخل محبَسها بمركز الشرطة، لم تكن داليا شريف على استعداد لتدفع الثمن بمفردها وتواجه أحكام السجن في قضايا التزوير والاختلاس. عندما أيقنت أن أحمد المنشاوي تخلى عنها وطردها من مكتبه ليحمي نفسه، أخرجت كارتها الأخير للنيابة العامة. قدمت داليا تسجيلات صوتية ومستندات بخط يد أحمد نفسه، تثبت أنه لم يكن مجرد ضحية لغفلتها كما ادعى، بل كان شريكاً متضامناً وعالماً بكل تحويل مالي خرج من حساباتي البنكية. والأدهى من ذلك، كشفت الأوراق عن توقيعه الشخصي على شيكات وإيصالات أمانة صادرة لصالح شركات وهمية تحت اسم داليا، كان يستغلها لإخراج السيولة المالية بعيداً عن رقابة الضرائب وعن أعين الصندوق العائلي. بحلول صبيحة اليوم التالي، صدر قرار النيابة العامة العاجل:التحفظ على كافة الأموال والشهادات والحسابات البنكية الشخصية لأحمد المنشاوي، والحجز التحفظي على فيلته وسيارته الخاصة، مع منعه من السفر ورسوه على ذمة القضايا. في نفس اليوم، كانت سيارات التنفيذ القضائي تقف أمام باب الفيلا. خرج أحمد من الباب الرئيسي يحمل حقيبة يد صغيرة فقط، بعدما طُرد من منزله المسجل أصلًا كأحد أصول الصندوق العائلي الذي أصبحتُ أنا المالك والوصي الوحيد عليه. كان يقف في الشارع، ينظر إلى المبنى الفخم الذي عاش فيه سنوات غروره، بينما كان رجال الشرطة يضعون الشمع الأحمر على البوابة الخارجية. لم يعد يملك شركة...ولا رصيداً في البنك...ولا براءات اختراع...ولا حتى سقفاً يأويه. أما الحاج إسماعيل، فقد لزم فراش المرض بعد أن أعلن أطباء المستشفى إصابته بجلطة حادة أفقرته القدرة على الحركة والكلام، جراء الصدمة المتتالية وسقوط اسم "المنشاوي" من على قمة سوق الدواء في مصر. بعد مرور ثلاثة أشهر...في مقر "مؤسسة عبد الرحمن للصناعات الدوائية المتقدمة" بالمنطقة الاستثمارية، كانت أنوار القاعة الكبرى متلألئة. كنت أقف أمام المنصة الرئيسية في مؤتمر صحفي عالمي بحضور ممثلي وزيرة الصحة، الشريك الأوروبي، وكبار المستثمرين في الشرق الأوسط. افتتحنا رسمياً خطوط الإنتاج الجديدة للجيل المطور من الأدوية، وحصلت المؤسسة على جائزة أفضل مركز أبحاث وتطوير دوائي في المنطقة. على شاشة العرض الكبيرة خلفي، ظهر اللوجو الجديد للمؤسسة، وتحته أسماء الـ 17 براءة اختراع التي أصبحت تتداول اليوم في أكثر من 12 دولة حول العالم. صفق الحضور بحرارة شديدة. وقفتُ أستقبل التهاني بثبات وابتسامة هادئة، وبجانبي سلمى حمدي المحامية، ومستشارو الكيان الجديد. أثناء خروجي من الفندق بعد انتهاء المؤتمر، وأنا أتوجه نحو سيارتي الخاصة، رأيت شخصاً يقف بعيداً عند حافة الرصيف المقابل. كان أحمد...ملابسه مجعدة، شعره متناثر، وبدت عليه علامات الانكسار والفقر بشكل لا يصدق. كان يحاول الاقتراب، لكن حراس الأمن الخاصين بالمؤسسة منعوه بصرامة. نظر إليّ بعينين مليئتين بالدموع، ورفع يده بضعف كأنه يرجوني أن أنظر إليه أو أمنحه فرصة واحدة للحديث. توقفتُ لحظة واحدة أمام باب سيارتي. نظرتُ إليه ببرود تام... نفس البرود الذي واجهته به يوم أن سمح بضربي أمام أربعة عشر مديراً ومسؤولاً. لم يرفّ لي جفن، ولم تحرك دموعه فيّ أي ذرة أسى. ركبتُ سيارتي، وأغلقتُ الزجاج الثقيل، وقلت للسائق بهدوء:— تحرك. تحركت السيارة لتتركه خلفي ضئيلاً في المرآة الخلفية، يبتلعه الظلام والندم. لقد ظن أن ضربي أمام الناس سيكسر كبريائي ويجبرني على الصمت...ولم يكن يعلم أن تلك الصفعات كانت نقطة انطلاقي لأسترد كل ما هو لي، ولأكتب بنفسي نهاية إمبراطوريته الزائفة إلى الأبد.