قدام اكتر من ١٥
في نفس اليوم، كانت سيارات التنفيذ القضائي تقف أمام باب الفيلا. خرج أحمد من الباب الرئيسي يحمل حقيبة يد صغيرة فقط، بعدما طُرد من منزله المسجل أصلًا كأحد أصول الصندوق العائلي الذي أصبحتُ أنا المالك والوصي الوحيد عليه. كان يقف في الشارع، ينظر إلى المبنى الفخم الذي عاش فيه سنوات غروره، بينما كان رجال الشرطة يضعون الشمع الأحمر على البوابة الخارجية. لم يعد يملك شركة…ولا رصيداً في البنك…ولا براءات اختراع…ولا حتى سقفاً يأويه.
أما الحاج إسماعيل، فقد لزم فراش المرض بعد أن أعلن أطباء المستشفى إصابته بجلطة حادة أفقرته القدرة على الحركة والكلام، جراء الصدمة المتتالية وسقوط اسم “المنشاوي” من على قمة سوق الدواء في مصر. بعد مرور ثلاثة أشهر…في مقر “مؤسسة عبد الرحمن للصناعات الدوائية المتقدمة” بالمنطقة الاستثمارية، كانت أنوار القاعة الكبرى متلألئة. كنت أقف أمام المنصة الرئيسية في مؤتمر صحفي عالمي بحضور ممثلي وزيرة الصحة، الشريك الأوروبي، وكبار المستثمرين في الشرق الأوسط. افتتحنا رسمياً خطوط الإنتاج الجديدة للجيل المطور من الأدوية، وحصلت المؤسسة على جائزة أفضل مركز أبحاث وتطوير دوائي في المنطقة.
على شاشة العرض الكبيرة خلفي، ظهر اللوجو الجديد للمؤسسة، وتحته أسماء الـ 17 براءة اختراع التي أصبحت تتداول اليوم في أكثر من 12 دولة حول العالم. صفق الحضور بحرارة شديدة. وقفتُ أستقبل التهاني بثبات وابتسامة هادئة، وبجانبي سلمى حمدي المحامية، ومستشارو الكيان الجديد. أثناء خروجي من الفندق بعد انتهاء المؤتمر، وأنا أتوجه نحو سيارتي الخاصة، رأيت شخصاً يقف بعيداً عند حافة الرصيف المقابل.
كان أحمد…ملابسه مجعدة، شعره متناثر، وبدت عليه علامات الانكسار والفقر بشكل لا يصدق. كان يحاول الاقتراب، لكن حراس الأمن الخاصين بالمؤسسة منعوه بصرامة. نظر إليّ بعينين مليئتين بالدموع، ورفع يده بضعف كأنه يرجوني أن أنظر إليه أو أمنحه فرصة واحدة للحديث. توقفتُ لحظة واحدة أمام باب سيارتي. نظرتُ إليه ببرود تام… نفس البرود الذي واجهته به يوم أن سمح بضربي أمام أربعة عشر مديراً ومسؤولاً. لم يرفّ لي جفن، ولم تحرك دموعه فيّ أي ذرة أسى.
ركبتُ سيارتي، وأغلقتُ الزجاج الثقيل، وقلت للسائق بهدوء:— تحرك. تحركت السيارة لتتركه خلفي ضئيلاً في المرآة الخلفية، يبتلعه الظلام والندم. لقد ظن أن ضربي أمام الناس سيكسر كبريائي ويجبرني على الصمت…ولم يكن يعلم أن تلك الصفعات كانت نقطة انطلاقي لأسترد كل ما هو لي، ولأكتب بنفسي نهاية إمبراطوريته الزائفة إلى الأبد.