من غير ما يعرف

دخلت مريم عربيتها القديمة، قفلت الباب وقعدت ورا الدريكسيون وجسمها كله بيترعش، مش من الخوف، ده كان زلزال غضب مكتوم بقاله سنين وانفجر. صوت جلال الألفي المحامي لسه بيرن في ودنها كأنه آلة حرب بتستعد للشغل. حطت المظروف على الكرسي اللي جنبها، دورت العربية وطلعت من جراج مستشفى “الشفاء” والمطر بيخبط في الزجاج زي طلقات رصاص صغيرة. كانت شايفة في المراية مبنى المستشفى اللي نوره مالك المكان، المبنى اللي شافت فيه المرار مع شريف وأمه، واللي افتكروه تكية ورثوها عن أهاليهم.

على الناحية التانية، في الدور الأخير، مكتب المدير الإداري كان ريحته مقلوبة بسيجار شريف الغالي وضحكات نيرمين الرقيعة. شريف كان قاعد ومادد رجله على المكتب، والراحة مالية وشه كأنه انزاح من على قلبه جبل. الحجة توحيدة كانت قاعدة على الكنبة الجلد وبتسبح بحمد ربنا وهي بتقول: “أهو كده الواحد يعرف يتنفس في المكان! البت دي كانت عامله زي العزول، شفتات بالليل والنهار ومقضياها غلب ومسهوكة، والكل كان بيحلف بحياتها ويقولوا مريم مريم، أهو غارت في داهية.”

نيرمين قربت من شريف ودلعت صوتها وهي بتقدم له كاس عصير: “أنا مكنتش عارفاك حامش كده يا شريف! بس بجد برافو، المستشفى دي واجهة، ومينفعش مرات المدير تبقى ممرضة بياكلوا وشها في الرايحة والجاية، إحنا محتاجين نطور، ومجلس الإدارة الأسبوع الجاي لازم يشوف وشوش تليق بالمرحلة الجديدة.”

شريف نفخ دخان السيجار لفوق وهو بيضحك بغرور: “مجلس الإدارة في جيبي يا نيرمين. العقد الجديد بتاع توريد الأجهزة الطبية اللي هنعمله مع الشركة الألمانية هيخلينا فوق، والكل هيبصم بالعشرة. ومريم؟ مريم خلاص، صفحة واتفلت، تروح بقى تقعد في البيت تربي فريدة، وتاخدلها قرشين نفقة يمشوها.”

مفتكروش للحظة إن مريم وهي سايقة في الشوارع المغرقاها المطر، كانت رايحة لمكان ميروحوش إلا اللي بايعين القض*ية. وصلت قدام عمارة قديمة في وسط البلد، من العمارات اللي ليها هيبة، جدرانها عالية وأسانسيرها بقفص حديد قديم. طلعت الدور الرابع، ووقفت قدام يافطة نحاس عريضة مكتوب عليها بخط رقاع دقيق: “جلال الألفي – المحامي بالنقض”.

خبطت خبطتين، الباب اتفتح بسرعة كأن الراجل كان واقف وراه مستنيها. جلال الألفي كان راجل عدى الستين، شعره أبيض كله بس واقف مظبوط، عينيه حادة زي الصقر، ولابس بدلة كاملة كأنه لسه خارج من قاعة المحكمة حالا. بصلها بنظرة فيها حزن وفي نفس الوقت فيها لمعة انتصار: “اتفضلي يا دكتورة مريم.. اتفضلي يا بنتي. أخيراً.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *