من غير ما يعرف
مريم بصت من شباك المكتب على أنوار القاهرة، وقالت بنبرة صوت مسمعتهاش من نفسها قبل كده، نبرة قوية وحاسمة: “لا يا أستاذ جلال. اللي اتعمل فيا وفي كرامتي قدام الدكاترة والممرضات والعيانين، لازم يترد في نفس المكان وبنفس الطريقة. أنا مش عايزة قضايا تقعد في المحاكم بالسنين. أنا عايزة أدخل المستشفى دي وأنا باخد حقي تالت ومتلت، وقدام الكل.”
المحامي ابتسم وضيق عينيه: “يبقى رتبي نفسك. الأسبوع الجاي، يوم الثلاثاء الساعة 10 الصبح، فيه اجتماع طارئ لمجلس الإدارة عشان يمضوا عقد الأجهزة الألمانية الجديد اللي شريف مراهن عليه. شريف عازم كل الدكاترة الكبار ورؤساء الأقسام والممرضات الأقدم في القاعة الرئيسية عشان يعمل لقطة شو ويوري الكل إنه بيطور المستشفى. ده هيبقى ميعادنا.”
مرت الأيام الخمسة اللي قبل الاجتماع كأنها دهر. مريم قعدت في بيتها، ومتردش على تليفونات شريف اللي كانت بتيجي بس عشان يرمي عليها كلام تسم بدن، أو يطلب منها توقع على ورق تنازل عن شقتها عشان “التسوية” بتاعة الطلاق. شريف كان فاكر سكوتها ده انكسار، وأمه توحيدة كانت بتروح وتيجي في الفيلا وتقول: “أهي لفت ديلها ونامت في الخط، عرفت حجمها وعرفت إنها من غيرنا ولا تسوى مليم في سوق النسا.”
يوم الثلاثاء الموعود، الساعة كانت 9:45 الصبح. مستشفى الشفاء كانت مقلوبة، الزينة في كل مكان، والوفد الألماني وصل وقعد في قاعة الاجتماعات الكبرى في الدور الثاني. القاعة كانت مليانة على آخرها؛ الدكاترة الاستشاريين، الممرضات، نيرمين اللي كانت لابسة فستان شيك ومقضياها ضحك وتوزيع نظرات ثقة، وشريف اللي كان لابس بدلة فخمة جداً وساعته بتلمع، وواقف ورا المنصة بيتكلم في المايك وبيرحب بالناس. أمه الحجة توحيدة كانت قاعدة في أول صف كأنها الملكة الأم.
شريف بدأ يتكلم بثقة وزهو: “أهلاً بيكم جميعاً في يوم تاريخي لمستشفى الشفاء. النهارده إحنا بنمضي عقد نقلة نوعية، عقد هيخلينا في مصاف المستشفيات العالمية. الإدارة الحديثة مش مجرد كلام، الإدارة أفعال وتطوير وتخلص من العقول القديمة اللي كانت بتعطلنا.” وغمز لنيرمين اللي ضحكت بخبث.
في نفس اللحظة، باب القاعة الرئيسي الكبير اتفتح بعنف. الصوت خلى شريف يسكت والكل يلتفت وراهم.
دخلت مريم.