ابوها ومراته

الجزء السادس
الأيام اللي جت كانت مختلفة تماماً عن كل ما عرفته مريم في حياتها. نزلت من الجبل مع أبوها ومع صخر اللي نقله بسيارة خاصة لبيطري في العاصمة، وراقبت الچرح يلتئم والقوة ترجع لجسمه تدريجياً. كانت تعيش في شقة أبوها، تتعرف عليه، وتعرف تفاصيل حياته اللي اختفت عنها سنين طويلة.
في كل مساء، كان كريم يحكي لها عن أمها وفاء، عن حبهما الكبير، عن كيف كانت تحب الجبل والبيت الخشبي، وعن جدها إبراهيم اللي رفض يسيب بنته وحيدة مهما حصل. كانت تسمعها

بقلبيها مفتوح، وتشعر بوجودهم حوالينها في كل كلمة تتقال.
بعد أسبوعين، رجعت للجبل.. بس مش مهجورة ومتروكة زي المرة اللي فاتت. رجعت وهي تعرف إن المكان بيتها، وإن فيها من يحبها وينتظرها. صخر كان يمشي جنبها وهو لسه معاه ضمادة، بس ذيله كان يهتز بفرح كل ما شاف البيت من بعيد.
بدأت عملية ترميم البيت ببطء، بيدها مع أبيها ومع رجال من القرية المجاورة اللي عرفوا قصتها كلها وأحبوها. كل يوم كان بيضيفوا حاجة جديدة نافذة، باب، سقف محمي، مدفأة حقيقية بدل الكانون القديم. ورشة النجارة اللي وجدتها تحت البيت أصبحت مكانها المفضل، كانت تقضي فيها ساعات طويلة تتعلم من أبوها أساسيات الحرفة، وتكمل الكرسي الهزاز اللي بدأه جدها لها.
في يوم من الأيام، وهي بتشتغل على الكرسي، سألت كريم
بابا.. ليه جدّي كتب على الكرسي علمي إيديكي اللي فاكراه؟ يعني إيه؟
كريم ابتسم ومر يده على الخشب القديم
إيدكِ كانت بتشتغل معاه في الورشة دي لما كنتِ صغيرة جداً.. كنتي تحبي تساعديه وتمسكي الأدوات الصغيرة.. لما خدوكِ منه، قال إنكِ هترجعي يوم ما، وإن إيدكِ هتتذكر كل حاجة لو حطيتيها في المكان ده
دمعة نزلت من عين مريم وهي بتمس على سطح الكرسي الناعم
أنا فعلاً بفتكر حاجات.. مش عارفة أشرحها، بس لما بمس الخشب.. بحس إني عرفته من زمان
ده لأنكِ بنت إبراهيم وبنت وفاء قال كريم بفخر الحرفة في دمكِ
مرت الشهور، والبيت تحول لمكان جميل دافئ، بألوان طبيعية تتناسب مع الغابة المحيطة به. فتحت في القرية مشروع صغير بتسويق منتجات الخشب اللي بتعملها، واشتهرت بتصاميمها المميزة اللي بتحكي قصتها. الناس كانت تيجي من أماكن بعيدة تشتري منها، وتسمع حكايتها، وتشجعها.
وفي كل ليلة، كانت تصعد لسطح البيت مع صخر، وتشوف النجوم بتلمع فوق الجبال، وتحس بوجودهم كلهم معاها أمها اللي رحلت مبكراً، جدها اللي ما نساها لحظة، وأبوها اللي بجانبها أخيراً. وكتبت في دفترها القديم آخر كلام
ظننتُ أنني وحيدة في هذه الدنيا.. أنني بلا أهل ولا سند. لكن الجبل علمني أن الأصول لا ټموت، وأن الحب الحقيقي يبقى مختبئاً في انتظار اللحظة المناسبة ليظهر. لم يتركوني أبداً.. كانوا حولي، في كل خشبة، في كل رسالة، في كلب وفيّ وقف حارساً لبابي. الحياة أعطتني أقسى التجارب، لكنها في النهاية أعطتني ما تستحقه القلوب الصادقة العدالة.. والحب.. والبيت الذي لم يكن مجرد جدران، بل ملاذاً لروحي.
وفي يوم مشرق، وبينما كانت تضع اللمسات الأخيرة على الكرسي الهزاز، دخل عليها كريم وبيده ظرف قديم
وصلني ده اليوم.. من المحامي
فتحته مريم ببطء، ووجدت فيه ورقة مكتوبة بخط جدها، كانت مخبأة وتأخر وصولها
إذا قرأتِ هذا، فاعلمي أن الكرسي الذي تعملين عليه الآن ليس مجرد قطعة أثاث.. هو العهد بيننا. كلما جلستِ عليه، تذكري أنكِ محبوبة، وأنكِ لم تكن يوماً عبئاً على أحد. أنتِ الورثة الحقيقية لقلبٍ كبير.. فأكملِ المشوار.
وضعت الورقة بجانب الصور القديمة، وجلست على الكرسي الهزاز وهو يتأرجح برفق.. صخر استلقى بجانبها مستريحاً، والشمس كانت تغرب ببطء وتلون السماء بألوان الذهب والبنفسجي. للمرة الأولى في حياتها، لم تشعر بالوحدة. كانت في بيتها، بين أهلها، ومع مستقبل مشرق ينتظرها.
الناس قالوا إن القصص تنتهي عند هذا الحد.. لكن مريم عرفت إن ده مجرد بداية. بداية حياة بنتها بنفسها، على أرضٍ كانت تنتظرها لتعود إليها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *