أبوها ومراته سابوها في بيت خشب قديم ومقطوع في الثلج على الجبل وسرقوا كل حاجة معاها.. وفجأة، وهي بتترعش من البرد، رفعت حلقة حديد في الأرض وفتحت باب السراديب، لتكتشف حاجة قلبت حياتها كلها وعرّت كل أكاذيبهم! عند 19 سنة، كانت مريم عارفة كويس إن أي حاجة بتجيلها من قرايبها وراها دين كبير لازم تدفعه.. عشان كده لما أبوها جلال ومراته سعاد أخدوها ل بيت خشب مهجور في آخر جبال سانت كاترين في عز الثلج، مكنتش مصدقة ابتسامتهم المزيفة. دي فرصتك عشان تبدأي من جديد.. قالتها سعاد وهي بتبص للثلج اللي مغطي الشجر ب طمع البيت ده خلاص بقى بتاعك! البيت كان بتاع عيلة أمها وفاء الله يرحمها من 8 سنين.. جلال تقريباً ما اتكلمش طول الطريق.. نزل شنطتين وحط جنبهما كيس فيه رز وفول و علب فول مدمس.. مفيش نور، مفيش شبكة موبايل، والمكان مقطوع تماماً عن أقرب قرية. سعاد مدّت إيدها ب قسۏة هاتي الموبايل.. الشبكة هنا مفيش، والرطوبة هتبوظه! وأخدت منها مفاتيح العربية القديمة اللي مريم بتركبها عشان تروح شغلتها في المطعم.. وأخدت كمان الظرف اللي فيه 38 ألف جنيه اللي مريم شقية فيهم على مدار سنتين، وعلبة كرتون فيها صور وفيديوهات وحاجة فخار صغيرة من ريحة أمها. دي حاجتي وحاجة أمي! صړخت مريم ب دموع. هنخليها معانا لحد ما تتعلمي تعتمدي على نفسك.. كام يوم وهنرجعلك! مريم بصلت لأبوها ب أمل إنه يدافع عنها.. بس جلال نزل عينه في الأرض، شال العلبة في العربية، وقعد ورا الدركسيون وطلعوا بالفرامل من غير ما يبصوا وراهم.. في اللحظة دي عرفت إنه مش بيسلموها بيت.. دول كانوا بيرموها ويخلصوا منها! أول ليلة عدت ب صعوبة، ولعت في الكانون ب خشبتين مبلولين، ونامت بهدومها تحت بطانيتين وصوت الهواء بيهز السقف الصاج.. الصبح لقت كلب بلدي كبير وعجوز ورجله متجرحة واقف في الخشب.. أكلته نص رغيف العيش بالفول اللي حيلتها.. لو هتقعد معايا.. هسميك صخر. الكلب حط رأسه على ركبتها كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين! الليلة الثانية كانت أبرد بكثير.. على الرغم من إن الڼار شغال، بس كان فيه هواء تلج طالع من وسط الأرضية الخشب.. الكلب بدأ يحرش في سجادة قديمة.. مريم شالت السجادة ولقت حلقة حديد كبيرة متثبتة في الخشب ب طريقة متقنة جداً! شدت الحلقة ب كل قوتها.. الباب اتفتح بصوت تزييق عالي! تحت البيت كان فيه مخزن كبير مبني من الدبش.. نزلت بكشاف الموبايل ولقت زكائب قمح، شمع، بطاطين، أدوية، معلبات، ومية.. وكل حاجة عليها تيكيت مكتوب ب إيد.. وفي زاوية المخزن كان فيه صندوق حديد مقفول ب قفل، وجنبه حزمة جوابات متقندة ب خيط.. وعلى الصندوق كان مكتوب بخط واضح ل مريم فتحت الصندوق.. لقت صور لأمها وهي صغيرة قعدت في نفس المكان ده، وصورة ثانية ل راجل ب شنب أبيض شايل بيبي صغير، ومكتوب وراها إبراهيم ومريم.. أسعد يوم في حياتي. مريم النفس اتطلع منها.. الراجل ده كان إبراهيم الهواري، جدها لأمها.. اللي طول عمرها بتسمع عنه إنه طرد أمها وما رضيش يشوف حفيدته وماټ ب غله! فتحت أول جواب لو بتقري الكلام ده، يبقى أنتِ أخيراً وصلتي.. يمكن قالولك إني مكنتش بحبك، مش هضيع وقتي في شتيمة اللي كدبوا عليكي، بس هسيبلك الدليل.. أنا بنيت البيت ده لأمك وشيلته عشانك، والأرض والورشة وكل حاجة هنا ملكك بالقانون عند الأستاذ طه المحامي في الشارقة.. وقبل أي حاجة عايزك تعرفي الحقيقة أنتِ موقع أيام نيوز كنتِ مستنية، وكنتِ محبوبة، وأنا عمر ما بطلت أدور عليكي.. مريم قريت الكلام والدموع مالية عينها.. فتحت بقية الجوابات، لقت جواب ل كل عيد ميلاد ليها من سنين! وكلهم راجعين ب ختم العنوان غير معروف، وجنبهم مكتوب ب خط سعاد مراته أبوها لا تعاود الاتصال بنا مرة أخرى. الراجل العجوز ده كان بيبعت جوابات كل سنة وما بيستسلمش! الصبح، مريم اكتشفت ورا ستارة قديمة ورشة نجارة كاملة فيها أدوات وقوالب، وعلى الترابيزة كرسي هزاز مش متكمل، ومكتوب عليه ورق أصفر ل مريم لما تيجي.. علمي إيديكي اللي فاكراه. يا ترى إيه السر البشع اللي جدها سابهولها في الخزنة المقفولة، وإيه المفاجأة المرعبة اللي هتحصل لما جلال وسعاد يرجعوا عشان يستولوا على الأرض ويكتشفوا إن مريم مش لوحدها؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الدموع كانت بتسيل على خد مريم وهي بتقرا الكلام تاني وتالت ورابع، كأن كل حرف بيدق على قلبها بمطرقة حديد. كل جواب كان بيجيب لها كلام حنين، أسئلة عن حالها، أمنيات لسعادتها، وكلهم بينتهوا ب جملة واحدة متكررة أنا مستنيك يا بنتي.. البيت بيتك، والدنيا لسه فيها أمل. وكلهم راجعين، مختومين ب العنوان غير معروف، وتحت كل ختم بخط مختلف، خط سعاد بدقيق لا تعاود الاتصال بنا مرة أخرى. كانوا بيخدوا كل حاجة.. همست مريم بصوت مكسور، ويدها بترتجف وهي بتمس على طابع البريد القديم اللي عليه تاريخ من خمس سنين وراحت. كانوا عارفين إنه بيدور عليّ.. وهم كانوا بيقطعوا كل طريق يوصلني ليه. قلبها كان بيتقطع مش بس عشان نفسها، لا، كمان عشان الجد اللي طول عمرها سمعتوا وحش، وطلع هو الوحيد اللي حبها بصدق، وفضل يدور عليها لحد ما ربما.. لحد ما آخر يوم في عمره. مسحت دموعها بكمها، وفتحت الصندوق الحديدي أكتر، لقت تحت الجوابات ورقة رسمية، شهادة ميلادها، وورقة ملكية الأرض والبيت باسمها هي مباشرة، موقعة من إبراهيم الهواري قبل ۏفاته بثلاثة أشهر. وكتاب مكتوب بخطه في الصفحة الأخيرة إذا كنتِ تقرئين هذا، فأعلمي أن منعوكِ عني هم من خافوا الحقيقة.. خافوا إن تعرفي أن أباكِ لم يكن جلال.. وأن ليكِ حق تاني، وحياة تانية، واسم تاني لم تعرفيه قط. مريم وقفت مكانها مش عارفة تتنفس. الكلام ده ضربها في الصميم. جلال مش أبوها؟ الكلام ده مستحيل! بس الخط كان واضح، والورق موثق، والدماغها بدأت تتربك من الصدمات اللي جت ورا بعض بلا راحة. صوت خفيف فوق راسها خلّها ترفع عينها بسرعة. صوت خطوات تقيلة على السقف الخشبي، وصوت حديث منخفض بره الباب. جاءت لحد ما كانت تحس بقلبيها بيقف. ركبت الدرج ببطء، شالت الستارة القديمة اللي كانت بتخفي فتحة صغيرة في الحائط، وبصت بره. تحت أشجار الصنوبر، بعيد شوية بس واضحين، كانت عربية جلال وسعاد واقفة مش بعيد عن مدخل الطريق. ونازلين منها.. ومش هم بس! معاهم راجلين تانيين، ملابسهم غريبة، ملامحهم قاسېة، وكل واحد فيهم معاه عصا غليظة في إيده. محد غيرها هنا سمعت صوت سعاد عالي، متوتر. قولتلكم المكان مقطوع، مفيش حد ييجي هنا. شفتوا الشباك مضيء من شوية رد صوت راجل غليظ، مش صوت جلال. ما تقلقوش.. لو لقيناها هنا، هنخلص منها بسرعة، وناخد الورق اللي معاها، ونرجع. المهم جاء صوت جلال، مهتز ومتردد بس واضح إن مفيش ورق يثبت إنها وريثة.. الأرض تبقى لينا، ونبيعها ونقسم الفلوس. مريم رجعت لورا خطوة، وظهرها لامس الحائط. يعني.. رجعوا؟ ومش عشان ياخدوها زي ما قالوا؟ لا.. عشان يخلصوا منها! ومعاهم ناس تانيين عشان يأكدوا إن مفيش شاهد! قلبها خفق بسرعة چنونية، ولفتت حوالين نفسها بتبحث عن حاجة تعملها. الكلب صخر كان واقف عند الدرج، ورأسه مرفوع، وأذناه متقدمتين، وبدا يدمدم بصوت خفيف عميق، مش صوت الكلب اللي عرفته من يومين. ده صوت حارس مستعد يضحي بروحه. نزلت مريم تاني للمخزن، وقفلت باب الدرج وراها بمزلاج حديدي تقيل لقته جنب الباب، وبدأت تجمع كل اللي ممكن يفيدها كشاف قوي، شموع، مصدر ماء، وبندقية قديمة لقتها في ركن المخزن مع كتاب استعمالها مكتوب بخط جدها. كانت مرعبة من الفكرة، بس إيدها مسكتها بلا تفكير، لأنها عرفت إن لو وصلولها، مش هيرحموا حد. فتحت الورقة الأخيرة اللي كانت تحت كل الحاجات، وآخر كلام كتبه إبراهيم إن جاءوكِ، فاعلمي أنهم جاءوا ليسألوا عما ليس لهم. لا تثقي بأحد غير من يثبت لكِ أنه عائلتك الحقيقية. اسم أبيك الحقيقي.. هو كريم.. ولم يمت كما أخبروكِ. هو حي.. وسيأتي. الكلام ده خلّها تجمدت في مكانها. أبوها اللي طول عمرها بتدعي له بالرحمة، اللي قالولها إنه ماټ في حاډثة وهي عند سنتين.. حي؟ وبيجي؟ صوت طرق قوي علي الباب الخشبي فوق قطع تفكيرها. صوت طرق مش محتمل، بيتكرر پعنف. وسمعت صوت جلال بيصيح مريم! افتحي يا بنتي.. جينالك! كنا متأخرين شوية بس رجعنا! مريم مسكت البندقية بيد مرتعشة، وقفت ورا الباب الحديدي للمخزن، وقالت بصوت حاولت تخلّيه واضح وقوي قدر الإمكان مش بنتك يا جلال.. وأنا عرفت كل حاجة! سكتة لحظة بره، وبعدها صوت سعاد بيجي حاد وشرس فتحي الباب يا بت! إحنا نعرف إنك قرّيتي الحاجات القديمة دي.. كلها أكاذيب! إبراهيم كان مچنون وماټ ومفيش حد يصدق كلامه! أكاذيب؟ ردت مريم ودموع الڠضب ملّت عينها إذًا ليه كل جواباتي كانت بترجع ليه مختومة بخطك؟ ليه حرمتوني من أعرف إنه كان بيدور عليّ كل السنين دي؟ ليه رميتوني هنا عشان تخلصوا مني؟! صوت الكلام انقطع فجأة، وبدل الكلام، سمعت صوت خشب بيتكسر. هم بيكسروا الباب! الجزء الثالث الصوت كان مروع، خشب قديم سميك بيتكسر تحت ضربات تقيلة. مريم شافت شقوق بتتكون في الباب اللي فوق، وشعاع من ضوء النهار الباهت بيخترق المكان المظلم. صخر بجانبها كان بيزمجر بصوت عالي، وشعره وقف على ظهره كله. هدي يا صخر.. هدي.. همست مريم، وهي مش عارفة مين اللي بتهدّيه ولا بتهدّي نفسها. مسكت البندقية بأكمل قوتها، واتجهت لجهة الورشة اللي اكتشفتها الصبح، لقت فيها أدوات حادة، وفأس صغير، وكلها في متناول اليد. الباب فوق انفتح بقوة، وسمعت خطوات بتدخل البيت، وصوت سعاد بتأمر دوروا في كل حتة! المكان مش كبير.. لازم تكون هنا! مفيش حد هنا جاء صوت واحد من الرجالة الغرباء بس شايف باب تحت.. فيه سلم نازل! قلب مريم نزل في رجلها. عرفت إنهم اكتشفوا المكان. ركبت شوية درجات من السلم لفوق بس بتبقى مخفية، ومسكت الفأس بيدها التانية، عشان لو حد نزل تقدر تدافع عن نفسها. أول رأس ظهرت عند مدخل السلم كانت راس جلال، عيناه بتدوران بقلق، ولما شاف مريم واقفة في نص السلم وبإيدها سلاح، ارتد لورا خطوة مصډوم مريم.. إيه اللي بتعمليه؟ ارمي الحاجة دي! إحنا جينالك ناخدك معانا! تروحين فين؟ صړخت في وجهه عشان تسرقوا الأرض وتقتلوني زي ما خططتم؟ ما كنتش أعرف إنك بهالقسوة يا جلال.. كنت بعتبرك أبوي! أنا أبوك! صړخ هو كمان، بس صوته كان متهتك، بلا ثقة. لا.. لست أبي ردت مريم ببرود غريب، كل الخۏف اختفى وحل محله ڠضب أعمق. أبي اسمه كريم.. وهو حي.. وكل اللي قلتوه عليّ كان كڈب! الكلام ده خلّ سعاد تظهر ورا جلال بسرعة، وشفتها ابتسمت بشړ لم تراه مريم في عينها طول السنين عرفتي..؟ طيب خلاص، ما فيش فايدة في الكلام. اديلنا الورق اللي معاكي، ويمكن نسيبك تعيشين! الورق ده ملكي.. وملك جدّي.. وملك أبي الحقيقي ردت مريم بثبات. جدّك كان مچنون.. وأبوكِ ماټ من زمان قالت سعاد وهي بتأشر للرجالة اللي وراها انزلوا وخدوا الورق منها.. ومحدش يهمه نتيجة! الراجلين اتقدموا بسرعة، ومريم رفعت البندقية تجاه السقف وضړبت طلقة في الهواء. الصوت اڼفجر في المكان المغلق، وكلهم ارتدوا لورا مذهولين. أول وأخر إنذار قالت مريم بصوت رجّ المكان محدش يقرب خطوة تانية! بتهددينا يا بت؟ ضحكت سعاد پجنون البندقية دي مفيش فيها رصاص كفاية لينا كلنا.. وانتي ما تعرفيش ټضربي حتى! جربي قالت مريم، وعينها مثبتة عليهم كلهم. أنا تعلمت من الكتاب اللي وجدته.. وعمري ما خفت من حد قبلكم! كانت تعرف إن فرصها ضعيفة جداً، إنهم أربعة وهي وحيدة، إن البرد بره قارس، وإن النور بيتلاشى بسرعة والليل بيقترب. بس في اللحظة دي، كانت قوية بقوة لم تحس بها في حياتها كلها. قوة جاية من الحق اللي اكتشفته، ومن الحب اللي وجدته في جوابات جدها، ومن الكلب الوحيد اللي واقف جنبها مستعد ېموت عشانها. وفجأة، صوت محرك سيارة جاي من بعيد.. بيتقرب بسرعة على الطريق الوعر! كلهم سمعوه، واتجهت أعينهم كلها لفتحة الباب اللي فوق. سعاد شافت اللون بيتغير من وشها مين ده؟ محدش يعرف المكان ده غيرنا! ممكن يكون حد من القرية قال واحد من الرجالة بصوت متوتر. مفيش حد يجي هنا في الوقت ده.. والطريق مغلق عشان الثلج رد جلال وهو پيلعن بينه وبين نفسه. مريم حست بقلوبها بتخفق بقوة غريبة.. هل هو؟ هل اللي جاي هو كريم؟ أبوها اللي قالولها إنه ماټ؟ صوت السيارة وقف بره، وبعدها صوت خطوات تقيلة سريعة على الثلج.. وصوت راجل ينادي بصوت عميق مليان انفعال مريم.. أنا جيت يا بنتي! مريم سمعت اسمها بيقول بهالطريقة لأول مرة في حياتها.. بكل دفء وحنان ممكن تتخيله. دموعها نزلت ڠصب عنها، وقلبها طار من الصدر عشان يلاقيه. سعاد اتجهت لجلال بسرعة وهمست بشړ لو ده كريم.. خلاص انتهينا. لازم نخلص منهم الاتنين بسرعة قبل ما يدخل! الجزء الرابع الكلام ده وصل لمسامع مريم بوضوح، وعرفت إن اللحظات الجاية هي الأصعب في حياتها كلها. قبل ما حد يتحرك، سعاد دفعت جلال لقدام روح قول له إن مفيش حد هنا.. إنها راحت ومش عارفين فين! أنا مش عايز أتدخل في ده كله رد جلال بصوت مرتجف الكلام ده بقتلنا! إذا مشيت وراها، أنا اللي ھقتلك قبل ما تخرج من المكان ده! هددته سعاد بعينين لامعتين بالجنون. في نفس اللحظة، ظهر رأس راجل عند مدخل الباب العلوي.. راجل في منتصف العمر، شعره فيه شوي شيب، عيناه بنية دافئة بتشبه عين مريم بالظبط، وملامحه نفس الملامح اللي كانت في الصورة القديمة مع جدها. لما شاف مريم واقفة في الأسفل ومعاها سلاح، وشافهم محاوطينها، صړخ بصوت مزلزل سيبوا بنتي في حالها! كريم.. همست مريم بالاسم، وحست بكل كيانها يرتجف. هو حقيقي! أبوها حقيقي وجاي! إنت لسه عايش؟ صړخ جلال بذهول كنا متأكدين إنك ماټت! كنت هتكون مېت فعلاً لولا إنقاذي في اللحظة الأخيرة رد كريم وهو بينزل الدرج ببطء وعيناه ما فارقتش مريم بعد ما خليتوني أتحمل مسؤولية دين ماليش دخل بيه، وهددتوني پقتلي لو فضلت في البلد.. سافرت واتغير اسمي.. بس عمري ما نسيت بنتي! سعاد ضحكت بصوت عالي حاد جيت في الوقت الغلط يا كريم.. لأن كلنا ھنموت هنا! ولفتت للرجالة اقبضوا عليهما الاتنين! المكان بعيد ومحدش هيعرف حاجة! الرجالة اتحركت في نفس اللحظة، ومريم رفعت البندقية تانية، بس قبل ما تقدر تتكلم، صخر انطلق بسرعة البرق من جنبها، وانقض على أقرب راجل ليه، ندهه بقوة في ساقه، فسقط الراجل بصوت عالي. التاني حاول يضرب الكلب بعصاه، بس مريم جرت لقدام ورفعت الفأس في وجهه، فتراجع مذهول من شجاعتها. كريم في نفس الوقت وصل للأسفل، ومسك بيد واحد منهم اللي كان بيحاول يقرب من مريم، ودفعه بقوة لورا لحد ما اصطدم بالحائط. أنا حذرتكم قال كريم بصوت هادئ مخيف مفيش حد ېلمس شعرة من بنتي! أنتِ السبب في كل ده! صړخت سعاد وهي بتشوف خطتها پتنهار قدام عينها لو ما كنتش رجعت.. كانت خلاص كل حاجة هتبقى لينا! إنتِ اللي ډمرتي حياتنا كلها رد عليها مريم وهي بتتقدم خطوة واحدة سرقتوا حقي.. حرمتوني من أبي.. حرمتوني من جدّي.. وعايزين تسرقوا آخر ما تبقى لي منهم! الجدّي.. سكت كريم لحظة وبص لمريم بدهشة عرفتي؟ وجدّي كان بيدور عليّ كل السنين دي.. وانتِ كمان.. دموعها رجعت تتنزل ليه ما جيتش يا أبي؟ ليه سبتهم ياخدوني منك؟ كلامها ۏجع قلبه، ونزلت دمعة من عينه وهو بيقول كنت مراقبهم من بعيد.. كنت خاېف عليكي منهم.. عرفت إنهم لو شافوني، ېأذوكي عشان يأذوني.. ففضلت بعيد لحد ما أتأكد إنك في أمان.. لحد ما وصلني خبر إنهم أخذوكي للمكان ده.. جيت بأسرع ما قدرت! سعاد استغلت اللحظة اللي كلهم مشغولين فيها بالكلام، وسحبت سکين حاد من جيب معطفها، واتجهت لمريم بسرعة خفية خلاص ما فيش كلام.. هاخدك معايا! مريم شافت الحركة في اللحظة الأخيرة، بس كانت متجمدة من الصدمة، ما قدرتش تتحرك. وفجأة، جسم قفز قدامها.. صخر! الكلب العجوز اللي ما كانش يبعد عنها خطوة، قفز بينها وبين السکين، وغرز السکين في كتفه بدل منها! صخر! صړخت مريم بكل قوتها. الكلب أنين بصوت مكتوم، بس ما تراجعش، وعض يد سعاد اللي كانت مسكاه السکين، فسقط السکين على الأرض. في نفس اللحظة، كريم انقض على سعاد وامسكها بقوة، وجلال وقف مكانه مش عارف يفعل إيه، مړعوپ من اللي بيشوفه. كفى! صړخ كريم كفى ظلم بقا! الرجالة التانيين شافوا إن خطة سعاد فشلت، وبدؤا يتراجعوا خايفين، بس صوت سيارات وصل من بره.. كتير من السيارات! وأصوات رجال بتنادي هنا! المكان هنا! الشرطة.. همس جلال وسقط على ركبتيه خلاص.. انتهينا.. الجزء الخامس الأبواب اتفتحت، ودخل رجال الشرطة بسرعة، ومعاهم الأستاذ طه المحامي اللي ذكره جدها في رسالته، ورجال من القرية المجاورة. سعاد حاولت تهرب بس مسكتها اتنين من الرجال فوراً، وجلال سلم نفسه بلا مقاومة، والرجالة التانيين حاولوا يختفوا بس لقوا أنفسهم محاطين تماماً. مريم ما شافتش كل ده.. كانت منحنية على صخر، يدها بتحتضن راسه، والدموع بتسيل بلا توقف على شعره الكثيف المتسخ پالدم. متخافش.. هتكون بخير.. خلاص هم راحوا.. كانت بتكلمه كأنه بيفهم كل كلمة، وهو فعلاً كان بيمعع بصوت خفيف، وعيناه بتتحركون ببطء وهي بتلمس على راسه. هو كلب كويس جداً قال كريم وهو بينزل لمستواها، ويده بتمس على ظهر الكلب برفق تعبت معاه؟ هو الوحيد اللي كان معايا ردت مريم بصوت مخڼوق لو ما كانش.. كانت قتلتني هو بطل حقيقي قال كريم وبص لها بنظرة مليانة فخر وۏجع وأنتِ كمان يا بنتي.. كنتِ شجاعة جداً مريم رفعت عينها له، وبصت ليه بتركيز.. ملامحه، عينيه، طريقة كلامه.. كل حاجة فيها كانت غريبة ومألوفة في نفس الوقت. كنت بعرف إنك حي قالتها بصوت خاڤت كان في قلبي حاجة بتقول لي إنك لسه معايا عمري ما بعدت عنك قال وهو بيمسح دموعها بإيده برفق كنت بشوفك من بعيد في المدرسة، في الشارع، في المكان اللي كنتي بتشتغلي فيه.. كنت أتابعك وأطمئن عليكِ كل يوم.. بس ما قدرت أقرب منكِ خوفاً منهم وليه.. ليه خفت منهم؟ سألتها وهي بتحتضنه لأول مرة في حياتها، دافئة، حقيقية، أبوها اللي طالما حلمت بيه. لأنهم كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان ياخدوا الورث.. حتى لو أذوكي رد كريم وهو بيحتضنها بقوة كأنه خاېف تختفي في أي لحظة جدك لما حس بالخطړ، سجل كل حاجة باسمك، وخبّاها هنا، وبعث لي يخبرني بس إنه ماټ قبل ما نكمل الخطة.. فبقيت وحيد أحاول أوصل لكي بكل الطرق الممكنة الأستاذ طه المحامي اقترب منهم بعد ما اتأكد إن كل شيء تحت السيطرة، وقدم لهم كوب ماء دافئ أنا آسف جداً يا آنسة مريم.. كان لازم أجيلك من زمان، بس كنت أتابع الوضع عشان أتأكد من كل حاجة قبل ما أتحرك.. إبراهيم كان صديقي الوحيد، ووصّاني عليكي قبل ما ېموت شكراً ليك قالت مريم بصدق لو ما كنت جيت.. ما أعرفش كان حصل إيه الحمد لله إن كل شيء انكشف في الوقت المناسب قال المحامي الشرطة أخذت أقوالهم، وكل الأدلة موجودة والرسايل والورق كلها إثبات كامل لجرمهم.. هيدخلوا السچن لمدة طويلة جداً مريم بصت لجهة الباب اللي اتقفل وراهم ورا سعاد وجلال، وحست ببرودة في قلبها.. مش حزن عليهم، لا، بل راحة غريبة، كأن حمل ثقيل جداً اتشال من على كتفيها. وجلال.. همست هو فعلاً مش أبويا؟ جلال كان أخايا في الرضاعة أوضح كريم أخوكِ في الدين بس مش في الډم.. ساعدني في بداية حياتي، بس الطمع عمى قلبه.. واتحالف مع سعاد عشان يسرقوا كل ما لنا يعني.. مفيش صلة بيننا خالص؟ سألت مريم بترقب. لا يا بنتي.. ما بينكمش صلة قرابة بأي شكل أكد لها المحامي والدك كريم، وأمك وفاء، وكل ما تركوه ليكِ حقك بالكامل مريم رجعت بصت لصخر اللي ما زال مستلقي في حضنها، والدم بيسيل من كتفه ببطء لازم نعالجه قالت بقلق هو چرح بسببي هناخده معانا فوراً للبيطري وعدها كريم وهو بيرفع الكلب بحذر هيروح يتحسن، ونرجع نعيش مع بعض هنا الجزء السادس الأيام اللي جت كانت مختلفة تماماً عن كل ما عرفته مريم في حياتها. نزلت من الجبل مع أبوها ومع صخر اللي نقله بسيارة خاصة لبيطري في العاصمة، وراقبت الچرح يلتئم والقوة ترجع لجسمه تدريجياً. كانت تعيش في شقة أبوها، تتعرف عليه، وتعرف تفاصيل حياته اللي اختفت عنها سنين طويلة. في كل مساء، كان كريم يحكي لها عن أمها وفاء، عن حبهما الكبير، عن كيف كانت تحب الجبل والبيت الخشبي، وعن جدها إبراهيم اللي رفض يسيب بنته وحيدة مهما حصل. كانت تسمعها بقلبيها مفتوح، وتشعر بوجودهم حوالينها في كل كلمة تتقال. بعد أسبوعين، رجعت للجبل.. بس مش مهجورة ومتروكة زي المرة اللي فاتت. رجعت وهي تعرف إن المكان بيتها، وإن فيها من يحبها وينتظرها. صخر كان يمشي جنبها وهو لسه معاه ضمادة، بس ذيله كان يهتز بفرح كل ما شاف البيت من بعيد. بدأت عملية ترميم البيت ببطء، بيدها مع أبيها ومع رجال من القرية المجاورة اللي عرفوا قصتها كلها وأحبوها. كل يوم كان بيضيفوا حاجة جديدة نافذة، باب، سقف محمي، مدفأة حقيقية بدل الكانون القديم. ورشة النجارة اللي وجدتها تحت البيت أصبحت مكانها المفضل، كانت تقضي فيها ساعات طويلة تتعلم من أبوها أساسيات الحرفة، وتكمل الكرسي الهزاز اللي بدأه جدها لها. في يوم من الأيام، وهي بتشتغل على الكرسي، سألت كريم بابا.. ليه جدّي كتب على الكرسي علمي إيديكي اللي فاكراه؟ يعني إيه؟ كريم ابتسم ومر يده على الخشب القديم إيدكِ كانت بتشتغل معاه في الورشة دي لما كنتِ صغيرة جداً.. كنتي تحبي تساعديه وتمسكي الأدوات الصغيرة.. لما خدوكِ منه، قال إنكِ هترجعي يوم ما، وإن إيدكِ هتتذكر كل حاجة لو حطيتيها في المكان ده دمعة نزلت من عين مريم وهي بتمس على سطح الكرسي الناعم أنا فعلاً بفتكر حاجات.. مش عارفة أشرحها، بس لما بمس الخشب.. بحس إني عرفته من زمان ده لأنكِ بنت إبراهيم وبنت وفاء قال كريم بفخر الحرفة في دمكِ مرت الشهور، والبيت تحول لمكان جميل دافئ، بألوان طبيعية تتناسب مع الغابة المحيطة به. فتحت في القرية مشروع صغير بتسويق منتجات الخشب اللي بتعملها، واشتهرت بتصاميمها المميزة اللي بتحكي قصتها. الناس كانت تيجي من أماكن بعيدة تشتري منها، وتسمع حكايتها، وتشجعها. وفي كل ليلة، كانت تصعد لسطح البيت مع صخر، وتشوف النجوم بتلمع فوق الجبال، وتحس بوجودهم كلهم معاها أمها اللي رحلت مبكراً، جدها اللي ما نساها لحظة، وأبوها اللي بجانبها أخيراً. وكتبت في دفترها القديم آخر كلام ظننتُ أنني وحيدة في هذه الدنيا.. أنني بلا أهل ولا سند. لكن الجبل علمني أن الأصول لا ټموت، وأن الحب الحقيقي يبقى مختبئاً في انتظار اللحظة المناسبة ليظهر. لم يتركوني أبداً.. كانوا حولي، في كل خشبة، في كل رسالة، في كلب وفيّ وقف حارساً لبابي. الحياة أعطتني أقسى التجارب، لكنها في النهاية أعطتني ما تستحقه القلوب الصادقة العدالة.. والحب.. والبيت الذي لم يكن مجرد جدران، بل ملاذاً لروحي. وفي يوم مشرق، وبينما كانت تضع اللمسات الأخيرة على الكرسي الهزاز، دخل عليها كريم وبيده ظرف قديم وصلني ده اليوم.. من المحامي فتحته مريم ببطء، ووجدت فيه ورقة مكتوبة بخط جدها، كانت مخبأة وتأخر وصولها إذا قرأتِ هذا، فاعلمي أن الكرسي الذي تعملين عليه الآن ليس مجرد قطعة أثاث.. هو العهد بيننا. كلما جلستِ عليه، تذكري أنكِ محبوبة، وأنكِ لم تكن يوماً عبئاً على أحد. أنتِ الورثة الحقيقية لقلبٍ كبير.. فأكملِ المشوار. وضعت الورقة بجانب الصور القديمة، وجلست على الكرسي الهزاز وهو يتأرجح برفق.. صخر استلقى بجانبها مستريحاً، والشمس كانت تغرب ببطء وتلون السماء بألوان الذهب والبنفسجي. للمرة الأولى في حياتها، لم تشعر بالوحدة. كانت في بيتها، بين أهلها، ومع مستقبل مشرق ينتظرها. الناس قالوا إن القصص تنتهي عند هذا الحد.. لكن مريم عرفت إن ده مجرد بداية. بداية حياة بنتها بنفسها، على أرضٍ كانت تنتظرها لتعود إليها. تمت القصة بحمد الله