زميلاتى

لله يا فندم، بس بصراحة كنت براجع العقود طول الليل.
بصلها باستغراب.
لسه بتراجعي؟ إنتِ خلصتي شغلك إمبارح.
أيوه، بس فيه حاجة مش مريحاني. العقد الجديد اللي الإدارة المالية اقترحته فيه اختلافات غريبة عن العقود القديمة.
اتغيرت ملامح أحمد، ومد إيده للملف.
اختلافات إزاي؟
فتحت مريم الملف وطلعت ورقتين.
بص يا فندم، العقود القديمة بتشترط إن الشركة تشتري البن من المزارعين نفسهم، وإن كل مزرعة يكون ليها سجل واضح بالجودة ومصدر المحصول. لكن العقد الجديد بيسمح بشراء البن عن طريق وسيط، من غير ما يحدد المزارع الأصلية.
أحمد قلب الورقتين بسرعة.
وده معناه إيه؟
ردت مريم وهي بتشاور على بند في العقد
معناه إننا ممكن ندفع فلوس أكتر لوسيط، والمزارع الأصلي ياخد أقل، وفوق ده كله نفقد القدرة على التأكد من مصدر البن وجودته.
سكت أحمد لحظات، وبعدين قال
مين اللي جهز العقد ده؟
الأستاذ طارق منصور، حسب البيانات الموجودة في الملف.
أحمد قفل الملف، وقال بنبرة حاسمة
مش عايز أي حد يعرف إننا بنتكلم في الموضوع ده. هنروح الصعيد الأول، وبعدها نقرر هنعمل إيه.
ركبت مريم العربية، وهي حاسة إن الرحلة دي بدأت تتحول لحاجة أكبر بكتير من مجرد إنقاذ محصول أبوها.
بعد ساعات، وصلت العربية لقرية صغيرة في محافظة سوهاج، وسط مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبيوت البسيطة.
أحمد كان متوقع يلاقي مزرعة عادية، لكنه اتفاجئ لما شاف مخزن منظم، وأكياس البن متقسمة حسب نوع المحصول وتاريخ الحصاد، ودفاتر قديمة مسجل فيها كل تفصيلة.
كان حسن عبد الرحمن، والد مريم، واقف قدام المخزن، ولما شاف بنته نزل من على السلم بسرعة.
مريم! إنتِ جيتي من غير ما تقوليلي ليه يا بنتي؟
ابتسمت وهي بتسلم عليه.
جايين نزور المزرعة يا بابا، وده الأستاذ أحمد السيوفي، صاحب الشركة اللي بشتغل فيها.
اتوتر حسن لما سمع الاسم، ومسح إيده في جلابيته قبل ما يمدها لأحمد.
أهلًا وسهلًا يا بيه، نورتونا.
أحمد صافحه، لكن فجأة عينيه وقعت على صورة قديمة معلقة جوه المكتب الصغير اللي جنب المخزن.
الصورة كانت لرجل شاب واقف وسط مجموعة من المزارعين، لابس بدلة قديمة، وفي إيده فنجان قهوة.
أحمد قرب من الصورة ببطء.
وشه شحب.
الصورة دي… جبتوها منين؟
حسن بص للصورة، وبعدها
رجع بعينيه لأحمد.
دي صورة والدك الله يرحمه، الأستاذ فؤاد السيوفي. كان بيزورنا هنا من سنين طويلة.
أحمد فضل باصص للصورة كأنه مش مصدق.
أبويا كان هنا فعلًا؟
مش مرة واحدة يا بيه. ده كان بييجي بنفسه، ويقعد مع المزارعين بالساعات. وكان بيقول إن الشركة اللي تنسى الناس اللي بدأت معاها، عمرها ما هتفضل كبيرة.
مريم بصت لأبوها باستغراب.
عمرها ما سمعت منه الحكاية دي بالتفصيل.
أحمد سحب كرسي وقعد، وقال بصوت هادي
أنا فاكر إنه كان بيحكيلي عن مزرعة في الصعيد، وإن أصحابها وقفوا جنبه في أصعب وقت مر بيه. بس عمره ما قال لي اسم صاحب المزرعة.
حسن نزل عينيه للأرض، وسكت.
الصمت ده خلّى مريم تحس إن فيه حكاية قديمة أبوها مخبيها عنها.
بابا، إنت تعرف الأستاذ أحمد من قبل كده؟
حسن اتنهد وقال
أنا أعرف أبوه، يا بنتي. لكن الحكاية مش بتاعتي لوحدي عشان أحكيها من غير ما أرجع لحاجات قديمة.
أحمد بصله بتركيز.
فيه حاجة حصلت بينك وبين أبويا؟
حسن هز راسه ببطء.
أبوك كان راجل أصيل، ووقف جنبنا في وقت محدش كان راضي يسمعنا فيه. لكن قبل ما ېموت بفترة، حصلت مشكلة كبيرة في الشركة، وهو طلب مني أحتفظ بأمانة لحد ما ييجي اليوم المناسب.
مريم قربت من أبوها.
أمانة إيه يا بابا؟
حسن ما ردش عليها.
قام من مكانه، ودخل أوضة صغيرة في آخر المخزن، وبعد دقايق رجع ومعاه صندوق خشب قديم، لونه غامق، وعليه قفل نحاس صدئ.
حطه على الترابيزة قدام أحمد.
أبوك سلّمهولي بنفسه من سنين، وقال لي لو جه يوم ولقيت ابنه بيدور على الحقيقة، أسلمهوله.
أحمد مد إيده ناحية الصندوق، لكنه وقف قبل ما يلمسه.
وإيه اللي جواه؟
حسن بصله مباشرة وقال
الحقيقة اللي خلت أبوك يشك في أقرب الناس ليه.
في اللحظة دي، رن تليفون مريم.
كانت رسالة من رقم مجهول، مفيهاش غير صورة واحدة.
صورة لطارق منصور وهو خارج من مكتب فؤاد السيوفي في ليلة ۏفاة مؤسس الشركة.
وتحت الصورة، كانت فيه جملة قصيرة
لو عايزة تعرفي مين سرق حق أبوكي، اسألي عن العقد رقم ١٧.
مريم حسّت ببرودة تسري في جسمها.
العقد رقم ١٧!
ده نفس الرقم اللي شافته في ملف الموردين، وكان موجود جنب اسم أبوها، لكن الصفحة الخاصة بيه كانت ناقصة من الملف الأصلي.
رفعت عينيها لأحمد، وناولته التليفون من غير ما تتكلم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *