مراتى الاولى باعت دهب
خرجتُ من قاعة المحكمة، ووجدتُ فاطمة تقف عند الباب. كانت المرة الأولى التي تتلاقى فيها أعيننا منذ ليلة الطرد.
تقدمتُ نحوها بخطواتٍ مكسورة، وهويتُ على ركبتي أمامها وأمام الناس جميعاً، وأ مسكت بطرف ثوبها وقلتُ وأنا أبكي بصوتٍ مسموع:
* «سامحيني يا فاطمة.. سامحيني يا أم عيالي. الشقة ستعود لكِ، وحقكِ سيرجع، حتى لو قضيتُ باقي عمري خلف الأسوار. فقط قولي أنكِ سامحتِني».
نظرتْ إليّ فاطمة من الأعلى. لم تكن في عينيها نظرةُ تشفٍّ ولا انتصار، بل كانت هناك حسرةٌ عميقة وشفقة. رفعت ابننا الصغير عن الأرض، وقالت بصوتٍ هادئ كأنه الهمس:
* «الشقة التي بُنيت بالدموع لا تعوض سنين العمر التي ضاعت يا محمود. الحقُّ سيرجع للأولاد لأن هذا حقهم، أما القلوب إذا انكسرت.. فلا تقيمها عقود المحاكم ولا دموع الندم».
تركتني ملقىً على الأرض ورحلت مع الأولاد.
مرّ شهران على تلك الجلسة، كانت التحقيقات تجري على قدم وساق. جيهان أدركت أن موقفها القانوني بات يتربص به الخطر، فبدأت تخطط لردٍّ انتقامي أشد قسوة. لم تكتفِ بالدفاع عن الشقة، بل استغلت التوكيل العام الذي كنتُ قد حررته لها في أيام غفلتي لنقل بعض الحسابات التجارية، وقامت بسحب كل السيولة المالية المتوفرة في حساباتي البنكية الخاصة بالشركة، وتركت الحسابات مكشوفة للموردين، مما جعلني مهدداً بالفعل بسجنٍ حقيقي وفعلي بسبب چکات دون رصيد!
في أحد الأيام، جاءني اتصالٌ من مصنعي التجاري. كانت الشرطة هناك لقَبضِ عليّ بسبب شيكاتٍ مرجعة طلبت جيهان صرفها لحساب شركات وهمية تابعة لأقاربها.
وصلتُ إلى المحكمة في الجلسة المحددة للنطق بالحكم في قضية الشقة، وأنا مكبلُ الأيدي في حراسة الشرطة بسبب قضية الشيكات.
جلس القاضي على المنصة، وحضر الجميع. كانت جيهان تقف في المواجهة تبتسم ابتسامة النصر، معتقدةً أنها حتى لو خسرت الشقة، فقد دمرت حياتي المالية وجعلتني أستقرُّ في السجن لسنواتٍ طويلة.
اعتلى القاضي المنصة، ونشَر حكمه التاريخي:
«حكمت المحكمة بإبطال عقد التنازل الصادر من المدعية الأولى بطلاناً مطلقاً لثبوت وقوعها تحت التدليس والإكراه المعنوي، وما يترتب على ذلك من بطلان كافة التصرفات العقارية التالية، وإعادة قيد الشقة باسم المدعية الأولى “فاطمة”، مع إحالة المدعى عليه الأول “محمود” إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات ».