مراتى الاولى باعت دهب
بعد انقضاءِ إجازةِ العيد، بدأتُ أشعرُ بثقلِ الغياب. البيتُ الذي كان يمتلئُ برائحةِ كعكِ العيدِ وصوتِ ضحكاتِ الأبناءِ وتكبيراتِهم، أصبحَ بارداً وجافاً، لا يُسمعُ فيه سوى طلباتِ جيهان التي لا تنتهي: أموالٌ للملابس، أموالٌ للرحلات، وعقودٌ جديدةٌ لتسجيلِ سيارتي أيضاً باسمها كـ «ضمانٍ لمستقبلها».
في صباح اليوم الخامس بعد العيد، قررتُ أن أذهبَ سراً إلى الحيّ النائي على أطرافِ المدينة، حيثُ الشقةُ الصغيرةُ المكونةُ من غرفةٍ وصالة والتي استأجرتُها لـ «فاطمة» وأولادي. كنتُ أُممني نفسي بأني سأشاهدُهم من بعيد، أو ربما أتركُ لهم بعضَ المالِ والمؤن.
وصلتُ إلى البنايةِ المتهالكة. كانت جدرانُها مقشرة، والدرجُ يفوحُ برائحةِ الرطوبةِ والإهمال. صعدتُ خطواتي بثقل، وعندما وصلتُ إلى البابِ الخشبيّ المتآكل، سمعتُ صوتَ طفلي الصغير «أحمد» وهو يبكي ويقول: «يا أمي، لا أريدُ أن آكلَ الفولَ مجدداً، أين لحمُ العيد الذي وعدتنا به؟».
وجاءه صوتُ فاطمة، كان صوتاً هادئاً، لكنه يحملُ حشرجةً تَعتصرُ القلب: «اصبر يا حبيبي، العيدُ الحقيقي هو أننا معاً، وأننا لم نأكلْ حراماً، ولا ظلمنا أحداً. غداً سأبدأُ العمل، وسأشتري لك كل ما تتمنى».
وقفتُ خلفَ البابِ مسماراً في مكاني. كانت كلماتها كالرصاصاتِ التي تخرقُ صدري. لم تشتكِ، لم تلعنّي، ولم تسبّ جيهان؛ بل كانت تُربّي أبنائي على الرضا والصبر. أخرجتُ ظرفاً كبيراً أودعتُ فيه مبلغاً مالياً ضخماً، ودسستُه من تحتِ الباب، ثم قرعتُ البابَ قرعةً واحدةً وفررتُ هرباً قبل أن تراني.
لكن المهربَ لم يكنْ آمناً. حين عدتُ إلى الشقةِ الكبيرة، كانت جيهان تُفتشُ في أوراقي الخاصة. وجدتْ إيصالَ التحويلِ المالي وتفاصيلَ الشقةِ المستأجرة. ما إن دخلتُ حتى استقبلتني ببركانٍ من الغضبِ والسباب:
* «ما هذا؟ هل ما زلتَ تُنفقُ على تلك الخدامة وأولادها؟ ألم نتفقْ على أن تفرغَ حياتَك لي أنا فقط؟».
نظرتُ إليها، ولأولِ مرةٍ أرى وجهَها الحقيقي دون مساحيقِ التجميلِ والجمالِ المصنوع. رأيتُ الشغفَ بالمادة، والشرهَ للسيطرة. قلتُ لها بصوتٍ خافتٍ يحملُ قسوةَ الندم:
* «أولئك أبنائي يا جيهان، والست التي تتحدثين عنها هي من صنعتْ الثروةَ التي تنعمين بها الآن!».
ضحكتْ بصوتٍ عالٍ وساخر، ورفعتْ العقدَ المسجلَ للشقةِ في وجهي: