مراتى الاولى باعت دهب
* «الثروةُ أصبحتْ ملكي، والشقةُ باسمي، وإن لم يعجبك هذا الوضع، فالشارعُ يَتسعُ لك كما اتسعَ لهم! لا تنسَ أنك كتبتَ لي كل شيءٍ بكاملِ إرادتك، ولا تملكُ هنا حجر واحد!».
سقطتْ الحقيقةُ على رأسي كالصخرة. لقد أدركتُ متأخراً أنني لم أكن بالنسبةِ لجيهان سوى صيدٍ ثمين، رجلٍ ثريّ اندفعَ خلفَ شهوتهِ ونزواته، فجرّدتهُ من كلِ ما يملك، صانعةً منه مجردَ ضيفٍ في بيتهِ الذي بناه بعرقِ سنينه.
بدأتُ ألاحظُ التغيرَ في معاملتها لي. لم تعدْ تتزين، لم تعدْ تُعدُّ الطعام، بل أصبحتْ تطالبني بالاستقالةِ من عملي لتسجيلِ الشركةِ أو المحلِ التجاري باسمها بحجةِ أنها تُديرُ الأموالَ بشكلٍ أفضل. وعندما رفضتُ، بدأتْ تُسمعني كلماتِ الإهانةِ والتقليلِ من شأني، وكانت تعمدُ إلى إغلاقِ أبوابِ الغرفِ في وجهي، وتتركني أنامُ على ذاتِ الأريكةِ التي جلستُ عليها ليلةَ طردِ فاطمة.
في أحدِ الأيام، عدتُ من العملِ مريضاً ومجهداً. كانت الحرارةُ تلتهمُ جسدي. طلبتُ من جيهان أن تُعدّ لي كوباً من الشاي الساخن أو تضعَ لي كماداتٍ من الماءِ البارد. نظرتْ إليّ ببرودٍ وقالت وهي ترتدي ثيابَ الخروج:
* «أنا ذاهبةٌ للسهرِ مع صديقاتي في النادي، هناك حبلٌ وماءٌ في المطبخ، يمكنك أن تفعلَ ذلك بنفسك.. أنا لستُ ممرضةً عندك!».
تركتني وإغلقتْ البابَ بالمفتاحِ من الخارج.
استلقيتُ على السرير، وكانت دموعي تسيلُ على وسادتي. أتذكرُ حين كنتُ أصابُ ببردٍ خفيف، كيف كانت فاطمة تسهرُ بجواري الليلةَ بطولها، تُدلكُ جسدي، وتدعو اللهَ في صلاتها أن يأخذَ من عافيتها ويُعطيني، لا تنامُ حتى تراني قد فتحتُ عيني وابتسمت.
قارنتُ بين اليدِ التي باعتْ ذهبَ أمها المتوفاةِ لتشتري لي مستقبلاً، وبين اليدِ التي سلبَتنِي مستقبلي لتشتري به مجوهراتٍ جديدة.
الندمُ أكلَ قلبي. أصبحتُ أرى صورةَ فاطمة في كلِ زاوية، وأسمعُ بكاءَ طفلي على السلمِ كلما أردتُ أن أغلقَ الباب. لم أعد أحتملُ البقاءَ في هذه التي تحولتْ إلى مظلم، تحكمه امرأةٌ لا تعرفُ الرحمة.
قررتُ أن أتحرك. ذهبتُ إلى محامٍ صديقٍ لي، وقصصتُ عليه ما حدث بالكامل. جلسَ الرجلُ يُصمصمُ شفتيه بأسف، ثم قال لي:
* «يا محمود، أنت ورّطتَ نفسك في شباكٍ محكمة. لقد تنازلتْ زوجتك الأولى لك، وأنت أهديتَ الشقةَ للثانية بعقدٍ رسميّ ومسجلٍ في الشهرِ العقاري. القانونُ لا يحمي المغفلين يا صديقي، والتراجعُ في الهديةِ أو عقدِ البيعِ يلزمه إثباتُ إكراهٍ أو تدليس، وهما أمرانِ صعبا الإثباتِ جداً بعد كلِ هذه المدة».