مراتى الاولى باعت دهب

الدم نشف في عروقي، بس جبروت التانية كان محاوطني، وبدال ما أنكسف من نفسي ومن الست اللي شالتني على كفوف الراحة، طلعت عقد الملكية الجديد رميته في وشها: «الشقة باسمها، وأنا مأجرلك أوضة وصالة في أطراف البلد، خدي عيالك ولمي هدومك دلوقتي ومن غير شوشرة وفضايح في العمارة».

عيالي الاتنين مسكوا في رجل أمهم وهما بيعيطوا بهستيريا، والولد الصغير باصصلي ومبرق: «يا بابا متطردناش في الشارع.. بكرة العيد!».

التانية مسكت شنطة هدوم الأولى بإيدها وحدفتها على السلم، وقالت بصوت واطي ومسموع وهي بتبتسم في وشها: «ده مقامك.. خدي شنطتك وعيالك وانزلي على السلالم، وافرحي بالعيد في الشارع.. عشان تعرفي إن الراجل لما بيحب بجد بيدي كل حاجة للست اللي تملى عينه، مش للخدامة اللي شالت الطوب».

قفلت الباب في وشهم بالمفتاح، ومراتي الأولى قعدت على بسطة السلم تضم عيالها وتصرخ من القهرة وهي بتسمع صوت ضحكتنا والمزيكا العالية اللي شغلتها التانية جوة الشقة اللي اتبنت بدم قلبها ودهب أمها.

جلسْتُ في أريكةِ الصالةِ المريحة، والمزيكا العاليةُ التي شَغَّلَتها زوجتي الثانية «جيهان» تَمْلَأُ أرجاءَ الشقة. كانتْ ترقصُ بخفةٍ وتضحكُ بانتصار، بينما صوتُ الطرقاتِ الخافتةِ والبكاءِ المكتومِ خلفَ البابِ المغلقِ يَتَلاشَى تدريجياً، حتى انقطعَ تماماً. سادَ الصمتُ في الممرّ الفاصلِ بين شقتي وبين السلم، وعرفتُ أن «فاطمة» أخذتْ الولدين ورحلتْ في ظلامِ ليلةِ عيدِ الأضحى.

في تلك الليلة، لم أستطعِ النوم. كانت جيهان غارقةً في نومٍ عميق، تُحيطُ بها أحلامُ التملكِ والسيطرة، أما أنا فكنتُ أتأملُ سقفَ الغرفة. هذا السقفُ بالذات، أتذكرُ اليومَ الذي وقفتُ فيه مع فاطمة، وكانتْ جدرانُ الشقةِ مجردَ قالبٍ من الطوبِ الأحمرِ العاري، والهواءُ الباردُ يلفحُ أجسادنا. أتذكرُ كيف ابتسمتْ يومها وقالت لي وهي تمسحُ غبارَ الإسمنتِ عن وجهي: «غداً سنفرشها بالحب يا محمود، المهم أن نكون معاً».

مرّتْ أيامُ العيدِ ثقيلةً كالجبال، رغم كل محاولاتِ جيهان لتصويرِ السعادة. كانت تتنقلُ بين الغرفِ كأنها ملكةٌ تُعاينُ ممتلكاتها الجديدة، تُغيّرُ قطعَ الأثاثِ التي اختارتها فاطمة بعناية، وتلقي بالباقي في القمامة. وكلما حاولتُ أن أفتحَ فمي لأعترض، كانت تبتسمُ تلك الابتسامةَ الساحرة، وتهمسُ في أذني: «أنت رجلٌ أعدتُ لك شبابَك، فلا تحزن على ماضٍ كان يُشبهُ الفقر».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *