مراتى الاولى باعت دهب

وجدّتُ نفسي فجأة بلا بيت، وبلا مأوى، أسيرُ في الشوارع التي طالما مشيتها وأنا في قمة عزّي وجاهي. لكن هذا الهوان لم يزدني إلا إصراراً. أردتُ أن أذوقَ ذات الكأس التي أسقيتها لفاطمة وأولادي، علّ الحرارة التي تحرق صدري تطفئ جزءاً من نار خطيئتي.

أقمتُ في فندقٍ صغيرٍ ورخيص على أطرافِ المدينة. وفي أول جلسةٍ من جلسات المحكمة، كانت القاعةُ ممتلئة. حضرت جيهان بكامل زجتها وبهرجها، ومجلسُ دفاعها يثقُ في الأوراق الرسمية المسجلة. وفي الناحية الأخرى، كانت فاطمة تجلسُ في أواخر المقاعد، تلبسُ ثوباً أسود بسيطاً، علاماتُ التعب والشقاء باديةٌ على وجهها، وحولها أبناؤنا يمسكون بطرف فستانها بخوف.

عندما نادى القاضي على القضية، وقف محامي جيهان ليرافع بصلف، مبرزاً عقد التنازل الموثق من فاطمة لي، وعقد الهبة والمؤخر الموثق مني لجيهان. كان موقفه القوانيني ظاهرياً لا يخرقه الباطل.

ثم جاء دورنا. وقف محاميّ، ثم طلب من القاضي أن يسمع شهادتي أنا.. المدعى عليه والمدعي في الوقت ذاته!

صعدتُ إلى المنصة. استدارت فاطمة بنظرها بعيداً عني، وكأنها لا تطيق رؤية الوجه الذي خانها. نظرتُ إلى القاضي وقلتُ بصوتٍ جليّ هزّ القاعة:

* «سيادة القاضي.. كل الأوراق التي بين يديك صحيحةٌ من حيث الشكل، ولكنها باطلةٌ ومصنوعة من الإثم من حيث المضمون. أنا أقفُ أمامك اليوم لا لأدافع عن نفسي، بل لأعترف بجريمتي. أنا ادعيتُ الفقر والديون، وبكيتُ دموع الكذب أمام زوجتي الأولى وأم أولادي، وابتززتها عاطفياً وإنسانياً حتى تنازلت لي عن شقا عمرها وذهب والدتها رحمها الله، ظناً منها أنها تنقذني من السجن. ثم أخذت هذا الحق المغصوب وأهديته لهذه المرأة كمنحةٍ وجائزة».

ساد صمتٌ رهيب في القاعة. استطردتُ والدموع تخنقني:

* «أنا نطقتُ بالتدليس، ومارستُ الغش، وأقدمتُ على سلب أموال زوجتي. وأطلب من عدالة المحكمة إبطال التنازل الأول ومحو كل ما ترتب عليه من عقود تالية، وتثبيت الملكية الكاملة لصالح فاطمة.. ومستعدٌ لأي عقوبة جنائية تقرونها عليّ».

صرخ محامي جيهان محاولاً التشكيك في قواي العقلية، ووقفت جيهان تصيح في القاعة بأنني متفقٌ مع زوجتي الأولى لإلغاء حقها الشرعي. لكن القاضي رفع الجلسة للقرار، وتأجلت القضية للحكم مع إحالة الأوراق للنيابة العامة للتحقيق في واقعة النصب .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *