كونت قعده
بلعت ريقي بصعوبة، وقلت بصوت بيترعش:
— أنت.. أنت مين بالظبط؟ وإزاي وصلت هنا في دقائق؟! وإزاي عرفت مكان شقتي ورقمي؟!
آدم مشي خطوتين جوة الصالة، وقعد على الكرسي الخشب القديم بتاعي بمنتهى الرقي والهيبة، وحط إيد على إيد:
— رقمك اللي اتبعتلي بالغلط.. ما كانش غلط يا إيمان.
عيني اتسعت بذهول:
— يعني إيه؟!
آدم طلعت صورة قديمة جداً وأنيقة من جيب جاكته الداخلي، وحطها على الترابيزة الصغيرة اللي بيننا.
أنا قربت بخطوات تقيلة، وبصيت للصورة..
كانت صورة لأمي التي رحلت وهي شابة، وواقفة جنب راجل كبير في السن بملامح حادة وهيبة ملحوظة.
آدم بص للصورة وقال بصوت مليان شجن وصدق:
— الراجل اللي في الصورة ده يبقى جدي.. توفيق الراوي. وأمك التي رحلت، كانت البنت الوحيدة اللي وقفت جنبه وساعدته زمان لما كان بيتعالج في المستشفى الحكومي البسيط اللي كانت شغال فيه تمريض. جدي قبل ما يرحل، ساب وصية رسمية مسجلة في الشهر العقاري بمنح 20% من أصول شركة الراوي لبنت الست دي.. يعني ليكي أنتِ يا إيمان.
قلبي تجمد في صدري!
شركة الراوي؟! إمبراطورية العقارات والنقل اللي قيمتها بالمليارات؟!
كمل آدم بثبات:
— عمامي وأقاربي في العيلة قعدوا تسع سنين بيخفوا الأوراق والوصية دي، وحرفوا العناوين عشان ما أقدرش أوصلك. ولما جدي رحل من شهر، وصاني بصوته في أيامه الأخيرة إني أدور على بنت الست “زينب” وأسلمها حقها أمانة في رقبتي. تليفونك والرسالة اللي بعتيها برقم غلط.. كانت بسبب إن الرقم اللي كان مكتوب عند صاحبتك هو الرقم السرّي الداخلي للمقر الخاص بجدي، رقم محدش يعرفه في مصر غيري أنا وأمي!
حطيت إيدي على بؤي ومش مصدقة اللي بيسمعه عاطفي وعقلي!
الفقر، الجوع، رصيد الـ 42 جنيه، وعذاب اللبن الصناعي والالتزامات المالية.. كل ده كان بيتحرق في ثانية قدام الحقيقة المدوية دي!
بصيت لآدم ودموعي نازلة مطر:
— يعني.. يعني أنا مش شحاذة ولا مدينة؟ أنا ليا حق حقيقي عندكم؟
آدم قام وقف، خطى خطوتين وقرب مني، نزل لمستوى يوسف الصغير، ومد صباعه الكبير.. يوسف مسك في صباعه وابتسم ابتسامة صافية نورت المكان.
آدم ابتسم ابتسامة دافية حقيقية، وبص في عيني بصلابة وأمان:
— أنتِ مش بس ليكي حق يا إيمان.. أنتِ من النهاردة شريكة في أكبر إمبراطورية في البلد. والرجالة اللي كانوا بيخوفوكي أو يضغطوا عليكي، موقفهم وحسابهم انتهى للأبد.