جالنا عريس
أمي قعدت تلطم على وشها وتصرخ في الصالة: “شفتي يا عفاف؟ شفتي آخره معافرتك وناشفت راسك؟! أهو شردنا وبقينا في الشارع من غير لقمة عيش ولا سقف يسترينا! هنعمل إيه دلوقتي؟ نروح نشحت في الشوارع؟!”. شهد كانت قاعدة في الزاوية، حاسة بالذنب والك.سرة، والدموع ما بتفارقش عينيها وهي شايفانا بنتدمر بسبب الجوازة الشؤم دي. أبويا قعد على الكرسي وهو ساكت تماماً، عاجز إنه يبص في عينيا أو عين أمي.
بس الخوف المرة دي ما أخدش مني شبر واحد.. بالعكس، غضب كاسح اتولد جوايا. عرفت إن الحرب دي مش حرب شهد ولا حرب أمي.. دي حربي أنا! الراجل ده نازل بكل قوته ونفوذه عشان يخليني أركع وأروح له واستعطفه، وأنا مش هحقق له الأمل ده لو كانت دي آخر لحظة في حياتي.
نزلت من البيت فوراً وتوجهت لمكتب محامي شاب ابن حلال من منطقتنا، حكيت له كل حاجة بالتفاصيل وشاف الأوراق والتقرير الطبي الأولاني بتاع شهد اللي أثبتنا فيه إصابات الضر.ب. المحامي بصل وقال بثبات: “القضايا دي محتاجة نفس طويل يا عفاف.. هو معاه فلوس ونفوذ، بس أنتِ معاكي الحق والتقرير الطبي والمستندات.. موضوع إخلاء الشقة ده هنسجل فيه إشكال وعريضة مستعجلة، وقضية التعدي والضر.ب ماشية في النيابة وسحب قضية الخلع هيخليه في موقف دفاع مش هجوم!”.
رجعت البيت وأنا جوايا خطة جبارة.. ما اعتمدتش بس على المحكمة والقانون، قررت أبدأ اشتغل بنفسي. نزلت دورت على شغل في أكتر من مكان لحد ما لقيت عمل في مكتب ترجمة وإعداد أبحاث بالقطعة، وبقيت أشتغل ليل مع نهار عشان أصرف على البيت وأغطي مصاريف القضية وأوفر أكلنا وشربنا بعد ما أبويا انقطع رزقه.
مرت أسابيع وأنا بواصل الليل بالنهار.. هالات سودا تحت عيني، بس نفسي عزيزة وراسي مرفوعة فوق. شهد بدأت تسترد عافيتها وشجعتها تبدأ معايا ونتشارك الشغل من البيت.. بقينا نشتغل سوا ونوقف البيت على حيله بكرامة، وأمي لما شافت صلابتي وإني مش مستسلمة، بدأت تتكسف من نفسها وتهدى وتبطل لوم. وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من مكتب الترجمة في وسط البلد بالليل، الشارع كان هادي جداً.. فجأة وقفت عربية سودا كبيرة جنب الرصيف، ونزل منها الشاب اللي بيساعد العريس، ومعاه راجل تاني.. وقفو في وشي وسدوا عليا الطريق.
الشاب قرب مني وبصلي بنظرة خبيثة وهو بيطلع من جيبه ظرف أبيض تقيل، وقال بنبرة مسمومة: “الباشا بيسلم عليكي.. وبيقولك اللعبة طولت وزادت عن حدها، الظرف ده فيه المبلغ اللي يخليكي تعيشي أنتِ وأهلك في الماظ.. والتنازل عن كل القضايا والتعهادت يخلص بكرة في الشهر العقاري.. غير كده، المرة الجاية مش هنسحب شقة ولا هنقطع عيش.. المرة الجاية الضر.ب هيطولك أنتِ شخصياً يا عفاف!”. مسكت الظرف بإيدي، وبصيت في عين الشاب بكل احتقار، وقبل ما ينطق كلمة زيادة…