جالنا عريس
لفت نظره لأمي وقال بلهجة آمرة: “أنا مش هضيع وقت.. بكره الصبح المحامي بتاعي هيجي ومعاه المأذون والشبكة والمهر، وهنكتب الكتاب فوراً.. وشهد هتسافر معايا قصري في القاهرة بالليل.. ومش عايز أشوف وشك يا عفاف في الفرح ولا حتى تلمسي حاجة تخص أختك، أنتِ بالنسبة لي ومش موجودة!”. أمي هزت راسها بموافقة متلهفة: “أمرك يا بيه، اللي تقول عليه يمشي.. هي أصلاً مش هتخرج من أوضتها لحد ما تخلصوا كل حاجة وتمشوا!”.
قربت من العريس ورزعت رجلي في الأرض بثبات، وقلتله ببرود أشد من بروده: “أنا مش محتاجة أكون موجودة في بيعة رخيصة زي دي.. وأنت فاكر إنك بتعاقبني لما تمنعني؟ أنت كدة بتخدمني لأن نضيفة ومش هلوث عيني بمهزلة زي دي.. بس افتكر كلامي كويس يا ابن الأكابر.. الفلوس بتشتري حاجات كثيرة، بس عمرها ما هتشتري لك راحة بال ولا احترام من قلب صادتك.. وهتشوف إن شهد اللي أنت فرحان بيها دي، بايعة نفسك عشان قرشينك، وأول ما الفلوس دي تتزحزح، مش هتلاقي حد جنبك!”.
العريس ملامحه اتشنجت تاني، وكأني ضـ,ـربته في أكتر نقطة بتوجعه.. الشاب اللي بيذق الكرسي حرك الكرسي بسرعة عشان يخرجه قبل ما الموقف يتطور، والعريس خرج وهو بيجز على أسنانه وبيتوعد بصوت واطي. أول ما الباب اتقفل وراهم، أمي تلفّتت ليا وعينيها طالع منها شرار.. هجمت عليا وبدأت تزقني في كتفي بقوة وهي بتصرخ: “يا بومة! يا وش الشؤم! كنتِ هتخربي البيت وتضيعي السعادة من إيدينا بكلامك السم! أنتِ إيه؟ معندكيش قلب؟ مش عايزة أختك تفرح وتعيش هانم؟!”.
مسكت إيد أمي وثبتها وقلت وأنا ببص في عينها بجمود: “أنا اللي معنديش قلب ولا أنتم اللي معندكوش كرامة؟ بتمسحوا بكرامتكم الأرض عشان راجل شايفكم شوية خدامين بفلوسه؟ شهد مش رايحة تعيش هانم يا أمي.. شهد رايحة تكون لعبة في إيد واحد مريض بالنقص، وهتشوفي بكرة الأيام هتثبتلك كلامي!”. زقيت إيدها ودخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا وحطيت الترباس.. قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش.. مسحت دموعي اللي أبت تنزل قدامهم، ورفعت راسي للسما وقلت: “يا رب.. أنت الشاهد، أنا أبيت الظلم والمهانة، فاحميني واسترني من اللي جاي”.
مرت ليلة من أصعب ليالي حياتي، البيت بره كان خليه نخل.. أمي وشهد شغالين توضيب وتنظيف وضحك على الملايين اللي هتتدفق عليهم، وأنا محبوسة في الأوضة زي الغريبة.. وزي ما العريس قال، الصبح المحامي جه والمأذون، وتم كتب الكتاب في جو مليان هيصة مزيفة وجشع.. سمعت صوت الزغاريد اللي كانت طالعة من حنجرة أمي كأنها نبرة نصر على الفقر، لكنها بالنسبة لي كانت نبرة شؤم.