بعد شهور ونظرى
رئيس المباحث قام بالتحفظ على الصناديق والمخطوطات بالكامل، وسيارات الشرطة ملأت شارع شريف في وسط البلد لكي تنقل المضبوطات لمخازن الجهات المختصة.
المتر سامح وقف جانباً يتكلم مع وكيل النيابة في الهاتف، ورجع لنا وعيناه تلمعان:
مدام دينا، طارق عندما عرف أننا وصلنا للبدروم السري ووجدنا الصناديق قبل أن يتم تسليمها، انهار تماماً في التحقيق واعترف بأسماء شبكة التهريب ورجال الأعمال الذين كانوا يضغطون عليه وعلى شيرين.. النيابة أصدرت أوامر ضبط وإحضار للجميع، والقضية أصبحت قضية رأي عام.
حسام اقترب مني، ونظر للظرف الأسود والمفتاح النحاسي الذي في يدي:
دينا.. رسالة والدك تقول إن هناك خيط أخير في بنك إسكندرية فرع محطة الرمل، يجب أن نتحرك إلى هناك قبل أن يحاول أي طرف من هذه الشبكة الوصول للخزنة قبلك.
مسحت دمعة كانت في طرف عيني، ووضعت المفتاح في جيبي بحرص:
لن أرتاح يا حسام إلا عندما أغلق هذه الدائرة كلها.. إلى الإسكندرية فوراً.
ركبنا سيارة المتر سامح واتجهنا على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. طوال الطريق والشمس طالعة، كنت أنظر في المرآة الجانبية.. عيني كانت قد عادت لطبيعتها تماماً، النور صافي، ولم يعد هناك أي أثر للضباب الذي عشته شهور الخوف الماضية.
وصلنا فرع البنك العريق في محطة الرمل وقت الظهر. دخلنا مع المتر سامح وقدمنا إعلام الوراثة والبطاقة الشخصية والمفتاح النحاسي الأصلي الذي تركه والدي.
مدير الفرع استقبلنا باحترام، ونزل معي بنفسه لغرفة الخزائن الحديدية المصفحة تحت الأرض.
وقفت أمام الخزنة رقم 114، وضعت المفتاح، ولففته لفتين.. الصوت أعلن فتح الباب الثقيل.
سحبت الصندوق المعدني وفتحته على الطاولة أمام حسام والمتر سامح.
داخل الصندوق لم يكن هناك نقود ولا مجوهرات.. كان هناك مذكرات والدي بخط يده، موثقة بتواريخ، ومعها عقود ملكية قديمة باسم جدي، وأهم وثيقة فيهم عقد ملكية كامل لمجموعة لوحات فنية وتاريخية مسجلة رسمياً باسمي أنا شخصياً، ووصية بتأسيس مؤسسة خيرية وثقافية باسم عائلة السلاب لحماية التراث ودعم المحتاجين.
وفي الصفحة الأخيرة من المذكرات، والدي كان كاتب:
يا ابنتي ونور عيني دينا.. من يوم رحيل والدتك وأنا أعيش من أجلك ومن أجل حمايتك من عيون الطمع.. كنت أعرف أن هناك من يطمعون حولنا، وسجلت كل كلمة وكل حركة حتى إذا تعرضت لأذى لا يتمكنون من إيذائك.. كوني دائماً قوية، والحق لا يضيع وراءه مطالب.