بعد شهور ونظرى
نظرت في اتجاه صوته وكأنني تائهة، وقلت له باستسلام مزيف:
الذي تراه يا طارق.. أنا لم يعد يفرق معي شيء.
ابتسم، وشعرت بنبرة الانتصار في صوته:
هكذا عقلت. سأقوم أغير ملابسي وأحضر لنا فنجانين قهوة.
أول ما صعد للدور الثاني، قمت بسرعة. ذهبت للكنبة، أخرجت التقرير من تحت الوسادة، وذهبت لمكتبة والدي في زاوية الصالون.. مكتبة ضخمة مليئة بالكتب. كنت أحفظ مكان مجلد كبير لتاريخ مصر القديمة كان والدي يضع فيه تجويف سري يخبئ فيه الأشياء المهمة. فتحت الكتاب ووضعت التقرير بداخله وأعدته لمكانه بالضبط.
بعدها تسللت لغرفة النوم، فتحت درج جانبه بهدوء شديد، أخرجت عبوة القطرة الأصلية.. قمت بإفراغها والتخلص من محتواها، ووضعت مكانها المحلول المعقم الذي أحضره حسام!
أعدت كل شيء لمكانه، ودخلت الحمام الآخر، وأخرجت العبوة العلاجية التي أعطاني إياها حسام.. وضعت منها نقطتين في كل عين.
شعرت ببرودة وانتعاش أول مرة أشعر به من شهور!
مرت ساعات الليل وأنا مستيقظة. كنت أفكر في الغد، وفي حسام، وفي المحامي الذي اتفق معه طارق.
في الصباح، وأنا لا أزال في السرير، شعرت بنور الشمس يدخل من النافذة.. ولأول مرة منذ ثلاثة شهور، استطعت أن أميز أن النور ليس مجرد بقعة، بل بدأت أرى خيوط النور واضحة، ورأيت ظل الكرسي بجانب السرير يتشكل أمام عيني بوضوح أكبر! الأمل عاد، العلاج بدأ يعمل!
سمعت صوت طارق يدخل الغرفة، فأغمضت عيني فوراً وتظاهرت أنني نائمة.
اقترب من السرير، ووضع يده على كتفي:
دينا.. استيقظي، هيا لكي نلحق موعد المحامي والشهر العقاري.
فتحت عيني ببطء، ورغم أنني كنت أراه كخيال مهزوز لكن ملامحه بدأت تظهر، مثلت أنني لا أرى شيئاً، وقلت له بصوت نائم:
صباح الخير يا طارق.. هل الصباح طلع؟
نعم طلع، هيا اغسلي وجهك وخذي القطرة الخاصة بك أولاً.
أحضر العبوة التي بدّلتها بيدي، وأمسك وجهي:
هيا يا حبيبتي، أغمضي.
وضع النقط في عيني.. لم يكن هناك ألم، كانت مياه معقمة عادية، لكنني تظاهرت بالألم وقلت: آه.. كفاية يا طارق، تؤلم بشدة! حتى لا يعرف أنني بدلتها.
خرج من الغرفة ونزل للأسفل.
قمت بسرعة، لبست عباءة سوداء وطرحة ونظارة شمس سوداء كبيرة لكي أداري عيني. نزلت خلفه على السلم، وأنا أمسك بالدرابزين كأنني لا أرى، لكن في الحقيقة كنت أرى السلالم واحدة واحدة!