بعد شهور ونظرى
شيرين من خلف الزجاج ضربت بقدمها في الأرض بغضب ودخلت الغرفة الداخلية حتى لا تظهر.
طارق أمسك ذراعي بقوة وهو يسندني ظاهرياً:
حسناً يا وجدي، جهز الورق من جديد وغداً الساعة التاسعة صباحاً سنكون عندك.
نزلني على السلم، وكل خطوة كان يضغط على كتفي. ركبنا السيارة وأغلق الباب بغضب، وجلس خلف عجلة القيادة وضرب بيده على المقود:
ألم تكوني قادرة على التحمل دقيقتين إضافيتين؟ دقيقتين فقط ننهي هذه المشكلة؟ ماذا حدث لك فجأة؟
أرجعت ظهري للخلف وقلت له بصوت ضعيف:
غصب عني يا طارق.. أنا أشعر بألم، عيني أشعر فيها بألم يقطعها.. ألم تضع لي القطرة صباحاً؟ هي تفعل بي هكذا طوال الوقت، ألم تقل لي هذا مفعول العلاج؟
كلامي جعله يسكت.. تذكر أن المادة غير المناسبة التي كان يضعها هي التي من المفترض أنها تضعف عيني وتسبب الألم، فلم يستطع أن يجادل أكثر.
طوال طريق العودة للتجمع، كنت أنظر من النافذة من خلف النظارة السوداء.. الدنيا بدأت تمتلئ بالألوان من جديد! رأيت السيارات، ورأيت اللافتات، ورأيت وجهه هو أيضاً في المرآة وهو يفرك ذقنه ويرسل رسائل سريعة.
نظرت على شاشة هاتفه التي كانت موضوعة على الحامل بجانب عجلة القيادة، ولأن الخط كان كبيراً ونظري يتحسن، استطعت أن ألمح اسم شيرين:
هذه الفتاة يجب أن توقع غداً يا طارق.. الشيكات التي علينا في معرض الأنتيكات سيتم سحبها الأحد القادم ولو لم ينته الورق سنواجه مشكلة كبيرة.. تصرف معها!
رد عليها بكلمة واحدة: غداً كل شيء سيكون لنا، اصبري.
وصلنا الفيلا بعد الظهر. فتح البوابة، وأدخلني حتى غرفة النوم، وأغلق الباب بالمفتاح من الخارج كعادته بعد أن تأكد أنني نمت على السرير:
أنا نازل لدي مشوار في المعرض لكي أرتب الحسابات، وراجع بالليل.. لا تذهبي لأي مكان.
أول ما سمعت صوت سيارته ابتعد عن الفيلا، قمت بسرعة.
دخلت الحمام، غسلت وجهي بماء بارد، ووضعت القطرة العلاجية التي أعطاني إياها حسام.. الرؤية اتسعت أكثر.
جريت على الهاتف الأرضي، وطلبت رقم حسام الذي حفظته عن ظهر قلب.
رد من أول رنة:
ألو.. دينا؟ طمنيني، أنت بخير؟ ماذا فعلت في الشهر العقاري؟
حسام.. اسمعني جيداً، الوضع أصبح خطيراً، والوقت ضدنا.. طارق على علاقة بشيرين السكرتيرة، وهي حامل، وهما مدينان بمبالغ كبيرة في المعرض وينويان أخذ التنازل غداً صباحاً بالقوة لكي يهربا بالمبلغ ويتركاني بلا شيء!
حسام انصدم:
شيرين؟ الفتاة التي كانت تعمل عند والدك؟ هذه كانت قد تركت العمل منذ سنة!
نعم هي.. وينتظران غداً لكي يسجلا البيع النهائي. أنا عطلت البصمة اليوم وتظاهرت بالإغماء، لكن غداً لن أستطيع الهرب.. يجب أن نتصرف الليلة، يجب أن أوقف كل شيء قبل طلوع الشمس!
حسام فكر ثوان وقال بحزم:
أنا قادم للفيلا حالاً.. معي محامي من أصدقائي موثوق جداً، ويعمل في قضايا التزوير. يجب أن نفتش مكتب طارق في الفيلا ونخرج كل المستندات والشيكات والتقارير الطبية غير السليمة التي كان يخدع بها الأطباء.. سأكون عندك في نصف ساعة، افتحي لي الباب الخلفي.