بعد شهور ونظرى

الجزء الثالث

طارق أمسك إصبع إبهامي الأيمن، ويده كانت متوترة، وضع إصبعي على حبر البصمة، ثم ضغط به على أول ورقة في الملف.
أحسنت يا دينا.. هكذا نحمي حقك.
موظف الشهر العقاري كان ينظر في شاشته، مد يده، أخذ الورقة الأولى وفتح الثانية:
البصمة الثانية هنا يا مدام.. تحت إقرار استلام كامل الثمن.
الكلمة رنت في أذني.. استلام كامل الثمن! يعني ليس فقط بيع وتنازل، بل أيضاً إقرار أنني استلمت ثمن منزل والدي وأراضيه والشركات نقداً، لكي بعد ذلك لو فكرت في رفع قضية، يقال إنني استلمت وليس لي شيء عند طارق.

الدم كان يغلي في رأسي، لكن عيني التي خلف النظارة السوداء كانت ترى كل تفصيلة. شيرين كانت لا تزال واقفة خلف زجاج الشرفة، تنظر إليّ بابتسامة وتنظم خصلات شعرها، تنتظر اللحظة التي ينتهي فيها التوكيل والبيع.

في اللحظة التي كان طارق يضغط فيها إصبعي على الورقة الثانية، قمت بحركة مفاجئة.. تظاهرت بالتوتر، وأوقعت كوب الماء الذي على المكتب بيدي اليسرى، وصرخت صرخة مكتومة وأسندت رأسي على المكتب:
آه.. عيني! لا أستطيع.. طارق ساعدني، أشعر بألم شديد في رأسي!
الماء غطى طرف المكتب والورق تحرك قليلاً، الموظف تراجع للخلف، وطارق توتر وأمسك كتفي بسرعة:
ماذا يا دينا؟ ما بك؟ ماذا حدث فجأة؟
قمت وأنا أهز رأسي، ووضعت يدي الأخرى التي بها حبر على عيني كأنني أدلكها، لكن في الحقيقة لطخت الورقة الثانية ببقعة حبر سوداء كبيرة أفسدت مكان البصمة.

ألم فظيع.. أشعر بدوار ولا أستطيع التنفس.. لا أستطيع أن أجلس، خذني للمستشفى يا طارق!
وجدي المحامي دخل يجري على صوت الكوب:
ماذا يا جماعة؟ خير يا أستاذ طارق؟
طارق كان وجهه محتقناً، ينظر للورقة التي تلطخت بالحبر، كان يريد أن يصرخ لكن وجود الموظف والمحامي قيده:
لا شيء يا أستاذ وجدي.. السيدة تعبت فجأة.
موظف الشهر العقاري جمع حاجته:
هكذا الورقة هذه تلفت وتحتاج طباعة من جديد وتسجيل برقم جديد.. والنظام سيغلق بعد ربع ساعة، لن نلحق اليوم.
طارق ضغط على أسنانه:
والأولى؟ الورقة الأولى تم التوقيع عليها!
الموظف رد ببرود:
الإقرار مرتبط بالعقد، لا يمكن تسجيل نصف المعاملة وترك النصف الآخر.. إما تأتوا غداً صباحاً مبكراً، أو نحدد موعداً جديداً الأسبوع القادم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *