في جنازة مراته، بنت صغيرة مسكت إيد المليونير وهمست له بـ3 كلمات. الهوا البارد كان بيعدّي وسط مقابــ,,ـــــبر الوفاء في القاهرة، وبيحرّك ورق الشجر الأصفر والبني المتراكم حوالين القبــ,,ـــــر اللي لسه محفور. السما كانت رمادي وكئيبة، وكأنها هي كمان بتشارك الناس حزنهم. وسط الجموع دي، كان واقف أحمد المنشاوي، واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر، راجل معروف بثروته الضخمة، وشركاته اللي ملية البلد، ونفوذه اللي كان بيخلي أكبر رجال الأعمال يحسبوا له ألف حساب. لكن النهارده، كل ده مكنش له أي قيمة. النهارده، كان مجرد راجل فقد مراته. ليلى كانت كل حاجة في حياته. كانت السند الوحيد ليه، والإنسانة اللي قدرت تشوف الإنسان اللي مستخبي ورا الثروة والنفوذ والقرارات القاسية، وورا البدلة الغالية والنظرة اللي كانت بتخوف أي حد يقف قدامه. هما الاتنين بنوا حياتهم سوا، وعاشوا سنين مليانة حب وضحك وذكريات، لكن كان فيه وجع قديم عمرهم ما قدروا يتخلصوا منه، وهو إنهم محصلش ليهم نصيب في الخلفة. الموضوع ده كان بيوجع قلبهم، لكن مع الوقت اتعلموا يتعايشوا معاه، وكان أحمد دايمًا بيقول لليلى إنها لوحدها كفاية عليه، وإنه مش محتاج من الدنيا أي حاجة طول ما هي جنبه. بس دلوقتي، وهو واقف جنب قبــ,,ـــــرها وبيشوف النعش وهو بينزل تحت التراب، حس إن الدنيا كلها بتنهار فوق دماغه. صدـ,,ـــره كان مقبوض، ونَفَسه تقيل، وكأن روحه بتتسحب منه واحدة واحدة. كان حاسس إن جزء كبير منه اندفــ,,ـــــن معاها، وإنه مهما عاش بعد النهارده، عمره ما هيرجع الشخص اللي كانه قبل ما يخسرها. الجنازة كانت فخمة زي ما الكل متوقع. كبار رجال الأعمال، والشخصيات المعروفة، وأصحاب النفوذ، كلهم حضروا علشان يقدموا واجب العزاء. فيه ناس كانت حزينة بجد على ليلى، وفيه ناس تانية حضرت لمجرد إنهم ميقدروش يتخلفوا عن جنازة راجل بحجم أحمد المنشاوي. شركاؤه في الشغل، وأصحابه، ومعارفه، كانوا بيقربوا منه واحد ورا التاني، وكل واحد يقول كلمتين مواساة، ويمد إيده يصافحه أو يربت على كتفه. لكنه مكنش حاسس بأي حاجة. كان سامع كلامهم من بعيد، كأنهم بيتكلموا في عالم تاني، بينما هو غرقان في عالمه الخاص، العالم اللي مفيهوش غير صوت ضحكة ليلى، وملامح وشها، وصوتها وهي بتنادي عليه كل يوم. كان نفسه الناس كلها تمشي وتسيبه لوحده، بعيد عن العيون والكلام والمجاملات اللي مش قادر يستحملها. لكن أحمد المنشاوي، الراجل اللي الكل بيخاف منه وبيحسب له ألف حساب، اكتشف في اللحظة دي إن الفلوس والنفوذ مش قادرين يخلّوه يهرب من وجعه، ولا يرجعوا له الإنسانة الوحيدة اللي كان بيحس معاها إنه بني آدم عادي، مش مجرد مليونير الكل بيطمع في رضاه. لما مراسم الجنازة خلصت، والناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية، أحمد فضل واقف مكانه، عينيه متعلقة بالنعش اللي التراب غطى جزء كبير منه. صوابعه كانت بتترعش وهو بيشد معطفه الأسود عليه، رغم إنه مكنش حاسس بالبرد أصلًا. الوجع اللي جواه كان أقوى من أي إحساس تاني. سواقه العجوز عم رجب كان واقف بعيد شوية، مستنيه بصبر. الراجل ده خدم أحمد أكتر من عشرين سنة، وكان عارف إن سيده محتاج وقت علشان يودع مراته للمرة الأخيرة. أحمد أخد نفس طويل، ومسح وشه بإيده، وبعدها لف علشان يمشي ناحية العربية. لكن فجأة، عينيه وقعت على بنت شابة واقفة عند سور المقابــ,,ـــــبر، مستخبية نصها ورا شجرة كبيرة. وشها كان شاحب، وعينيها مليانة حزن وخوف، وملامحها كانت غريبة عليه، لكنه لسبب مش مفهوم حس إن فيه حاجة فيها شدت انتباهه. البنت مكنتش شبه أي حد موجود في الجنازة. بينما كل الحاضرين كانوا لابسين هدوم سودا غالية، ومعاطف مستوردة، وشالات باين من شكلها إنها بأثمان كبيرة، كانت هي لابسة جاكيت بسيط وقديم شوية، وبنطلون جينز باين عليه الاستهلاك. شعرها البني الطويل كان نازل على كتافها، وإيديها كانت مقبوضة بقوة، كأنها بتحاول تمنع نفسها من عمل حاجة معينة. أحمد قطب حواجبه، وفضل يبص لها وهو بيحاول يفتكر إذا كان شافها قبل كده. مين البنت دي؟ وإيه اللي جابها جنازة مراته؟هو عمره ما شافها في أي مناسبة تخص شغله، ولا افتكر إن ليلى كان عندها قريبة بالشكل ده. ومع ذلك، كان فيه إحساس غريب بيتحرك جواه، إحساس خلاه يركز معاها أكتر من اللازم، وقلبه يدق بسرعة بسيطة من غير ما يفهم السبب. البنت أخدت خطوة ناحيته، ووقفت مكانها. بصت له، وبعدين بصت للقبــ,,ـــــر، وبعدها رجعت بصت له تاني، وكأنها عايزة تقوله حاجة مهمة، لكنها خايفة من رد فعله. أحمد فضل ثابت مكانه، مستني إنها تقرب. ولثواني قليلة، عينيهم اتقابلت. في اللحظة دي، البنت اتوترت، ووشها اتغير، وكأنها شافت في عينيه حاجة خوفتها. وفجأة، لفت ومشيت بسرعة من غير ما تقول كلمة واحدة. أحمد فضل باصص وراها باستغراب، لحد ما صوت عم رجب قطع أفكاره.«العربية جاهزة يا أحمد بيه.» أحمد مردش في الأول، وفضل متابع البنت بعينيه وهي بتبعد لحد ما اختفت وسط الطريق. وبعدين قال بصوت هادي: «عم رجب، إنت تعرف البنت اللي كانت واقفة هناك؟» عم رجب بص ناحية المكان اللي أحمد بيشاور عليه، وبعدها هز راسه بالنفي.«لأ يا بيه، معرفهاش. يمكن تكون واحدة من معارف الهانم الله يرحمها. » أحمد فضل ساكت لحظة، وبعدين قال: «يمكن.» لكن جواه كان حاسس إن الموضوع مش مجرد صدفة. ركب العربية، وسند راسه على الكرسي، وحاول يطرد صورة البنت من دماغه. قال لنفسه إنها أكيد واحدة من قرايب ليلى البعيدين، وإنه ملوش أي داعي يشغل باله بيها. بس الغريب إن صورتها فضلت قدامه طول الطريق. ولما وصل قصره في التجمع الخامس، نزل من العربية ودخل مكتبه الكبير، اللي كان دايمًا مليان حركة وصوت تليفونات واجتماعات. النهارده، كل حاجة كانت ساكتة. حتى القصر اللي كان مليان حياة طول ما ليلى موجودة، بقى عامل زي مكان مهجور. أحمد دخل مكتبه، وخلع الجاكيت بتاعه، وبعدها قعد على الكرسي اللي جنب الشباك المطل على الجنينة. مد إيده ناحية صورة ليلى الموجودة على المكتب، ومسح بإصبعه على ملامحها، وهمس بصوت مبحوح: «وحشتيني يا ليلى... وحشتيني أوي.» عينيه دمعت، لكنه حاول يمسك نفسه. أحمد المنشاوي عمره ما كان بيحب حد يشوف ضعفه، حتى في أصعب لحظات حياته. لكن قدام صورة مراته، مكنش قادر يمثل القوة. ليلى كانت دايمًا بتؤمن إن مفيش حاجة بتحصل في الدنيا من غير سبب، وإن أحيانًا ربنا بيبعت لنا ناس في حياتنا علشان يغيروا كل حاجة. لو كانت موجودة دلوقتي، كان متأكد إنها هتقوله ميتجاهلش إحساسه ناحية البنت اللي شافها في المقابــ,,ـــــبر. تنهد أحمد، وصب لنفسه كوباية، لكنه مرفعهاش لشفايفه. فضل باصص للصورة، وبعدين قال: «تفتكري يا ليلى، مين البنت دي؟ وإيه اللي جابها جنازتك؟» طبعًا الصورة مردتش عليه. وبعد شوية، حاول يقنع نفسه إن حزنه هو اللي مخليه يفكر بالطريقة دي، وإنه لازم ينسى الموضوع ويركز في حياته اللي اتقلبت رأسًا على عقب. لكنه مكانش يعرف إن البنت اللي شافها النهارده مش مجرد واحدة غريبة حضرت جنازة مراته. وإن ظهورها في حياته كان بداية حكاية مليانة أسرار، وأسرار أخطر بكتير من اللي ممكن يتخيلها. والأغرب من كل ده، إنه بعد ساعات قليلة، هيسمع صوت خبط على باب قصره، ولما يفتح، هيلاقي نفس البنت واقفة قدامه، ودموعها مغرقة وشها، وفي إيدها حاجة هتخليه يحس إن الأرض بتتهز تحت رجليه. أحمد كان لسه قاعد في مكتبه، قدامه صورة ليلى، لما سمع صوت خبط على باب القصر. بص في الساعة باستغراب، كانت الساعة داخلة على اتناشر بالليل، ومحدش بيجيله في الوقت ده من غير ميعاد. رفع التليفون الداخلي وقال ببرود: «مين؟» صوت الحارس جه من الناحية التانية: «يا أحمد بيه، فيه بنت بره مصممة تقابل حضرتك، وبتقول إن الموضوع يخص الهانم الله يرحمها.» أحمد اعتدل في قعدته، وقلبه دق بعنــ,,ـــــف.«اسمها إيه؟» «مش راضية تقول يا بيه، بس بتقول إنها لازم تقابل حضرتك دلوقتي، وإن الموضوع مينفعش يستنى لبكرة. » أحمد سكت ثواني، وبعدها قال بحزم: «دخّلها.» قام من مكانه، وعدّل قميصه، وخرج من المكتب بخطوات سريعة، لحد ما وصل للصالة الكبيرة. وأول ما عينه وقعت على البنت الواقفة عند الباب، اتصدم. هي نفس البنت اللي شافها في الجنازة! كانت واقفة وهي بتترعش من البرد، وشعرها ملزوق في وشها من المطر، والجاكيت القديم بتاعها مبلول بالكامل. عينيها كانت حمرا من العياط، وإيديها بتترعش وهي ماسكة ظرف بني قديم. أحمد وقف قدامها، وبص لها بنظرة حادة.«إنتِ؟!» البنت رفعت عينيها ليه، ولما شافته قدامها، دموعها نزلت أكتر. قالت بصوت مبحوح: «أيوه يا فندم، أنا.» أحمد عقد حواجبه وقال بحدة: «إنتِ مين؟ وإيه اللي جابك جنازة مراتي؟ وليه جاية بيتي في نص الليل؟» البنت بلعت ريقها بصعوبة، وبصت للظرف اللي في إيدها.«أنا عارفة إن حضرتك مش هتصدقني، وعارفة إن اللي هقوله ممكن يخلّيك تطردني من هنا، بس والله العظيم أنا مش جاية أطلب فلوس ولا عايزة منك أي حاجة. » أحمد رد ببرود: «أنا مسألتكيش إنتِ جاية تطلبي فلوس ولا لأ. أنا سألتك إنتِ مين؟» البنت أخدت نفس متقطع، وبعدها قالت: «اسمي نور... نور إبراهيم.» «طيب يا نور، إيه علاقتك بمراتي؟» أول ما سمعت السؤال، نور حطت إيدها على بقها، وبدأت تعيط بحــ,,ـــــرقة. أحمد اتوتر، لكنه حاول يخبي ده ورا ملامحه الجامدة.«ممكن تبطلي عياط وتتكلمي؟ أنا مش فاهم حاجة!» نور مسحت دموعها بطرف كمها، ومدت إيدها بالظرف ناحيته.«الظرف ده أمانة عندي من الهانم ليلى، وهي اللي طلبت مني أسلمهولك. » أحمد حس إن رجليه مش شايلينه.«إيه؟!» بص للظرف، وبعدين بص لها تاني.«إنتِ بتقولي إيه؟ ليلى تعرفك منين؟ وإمتى شافتك أصلًا؟» نور هزت راسها وهي بتعيط.«أنا قابلت الهانم من حوالي شهرين، في مستشفى في وسط البلد. كنت هناك مع أمي، لأنها كانت تعبانة أوي، ومكناش معانا فلوس نكمل علاجها. الهانم شافتني وأنا بعيط قدام أوضة الدكتور، وسألتني في إيه.» أحمد فضل ساكت، وعينيه متعلقة بوشها. نور كملت: «لما حكيت لها عن أمي، ساعدتنا. دفعت تكاليف العلاج، وجابت لنا دكتور كبير، وكانت بتزورنا بنفسها من غير ما حد يعرف. أنا حاولت أشكرها كتير، لكنها كانت بتقولي إن ده واجبها، وإنها مش مستنية مني أي حاجة.» أحمد نزل عينيه للأرض. دي كانت ليلى فعلًا. طول عمرها بتساعد الناس في السر، ومكنتش بتحب حد يعرف هي بتعمل إيه. لكن إيه اللي يخليها تسيب جواب مع بنت قابلتها من شهرين، وتطلب منها تسلمه بعد مــ,,ـــــوتها؟رفع عينيه فجأة وسألها: «هي قالتلك إيه بالظبط؟» نور اترددت، وبعدين قالت: «قبل ما الهانم تتوفى بأسبوع تقريبًا، طلبت مني أقابلها في مكان بعيد عن البيت. كانت متوترة وخايفة، وفضلت تسألني إذا كنت أقدر أحافظ على سر مهما حصل.» أحمد حس بقبــ,,ـــــضة قوية في صدـ,,ـــره.«سر إيه؟» نور هزت راسها.«معرفش يا فندم. هي مدخلتنيش في تفاصيل. كل اللي قالتهولي إن لو حصل لها أي حاجة، لازم أوصل الظرف ده لحضرتك بإيدي، ومحدش غيرك يشوفه.» أحمد خطف الظرف من إيدها، وبص للاسم المكتوب عليه بخط ليلى. كان مكتوب: إلى أحمد... لو الظرف ده وصل لإيدك، يبقى أنا مبقتش جنبك. إيده بدأت تترعش. ده خط ليلى. مفيش أي شك. فتح الظرف بسرعة، وطلع منه جواب وعدة صور صغيرة. بدأ يقرأ أول سطر، وفجأة وشه اتغير.«أحمد حبيبي... لو إنت بتقرأ الكلام ده، فمعنى كده إن خوفي اتحقق، وإن فيه حاجات كتير كان لازم أقولها لك من زمان، لكني مقدرتش.» أحمد وقف عن القراءة، وحط إيده على فمه. نور كانت واقفة قدامه، مش قادرة تمنع دموعها. رجع يكمل: «أنا عارفة إنك هتكون موجوع، ويمكن تحس إني خبيت عنك حاجة كبيرة، لكن صدقني، كل اللي عملته كان علشان أحميك. فيه حقيقة عن حياتنا، وعن السنين اللي عشناها سوا، لازم تعرفها. والحقيقة دي مرتبطة ببنت هتقابلها في يوم من الأيام، وممكن تكون واقفة قدامك وإنت مش عارف إنها أقرب ليك من أي حد تاني.» أحمد رفع راسه ببطء، وبص لنور.«هي كانت تقصدك إنتِ؟» نور ردت بسرعة: «والله ما أعرف يا فندم! أنا معرفش هي كانت تقصد مين.» أحمد رجع للجواب، وقلبه بيدق بعنــ,,ـــــف.«لو لسه فيه فرصة، متضيعهاش. دور على الحقيقة في المكان اللي بدأ منه كل شيء. اسأل عن اللي حصل يوم ١٥ مارس سنة ٢٠٠٠، وعن الملف اللي اختفى من المستشفى القديم. ومتثقش في أي حد يقولك إنه كان بيحمينا.» أحمد حس بصدمة شديدة. يوم ١٥ مارس سنة ٢٠٠٠!التاريخ ده كان ليه علاقة بحاجة قديمة جدًا في حياته، حاجة حاول ينساها من سنين طويلة. قبل ما يلحق يفكر، لفت نظره إن فيه ورقة صغيرة وقعت من بين الصور. انحنى والتقطها. كانت صورة قديمة لليلى، واقفة قدام مستشفى، وشايلة طفلة صغيرة بين إيديها. لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في الصورة. الصدمة كانت في التاريخ المكتوب على ضهرها. ١٦ مارس سنة ٢٠٠٠. يعني بعد اليوم اللي ليلى طلبت منه يدور عليه بيوم واحد. أحمد قرب الصورة من عينيه، وفضل يتأمل الطفلة الصغيرة. وبعدين بص لنور، وسألها بصوت مخيف من شدة التوتر: «البنت دي مين؟» نور بصت للصورة، وشهقت، وحطت إيدها على بقها. أحمد قرب منها خطوة.«إنتِ تعرفي البنت دي؟» نور فضلت ساكتة، ودموعها بتنزل على وشها.«ردي عليا! تعرفيها ولا لأ؟» نور هزت راسها ببطء، وقالت بصوت متقطع: «أيوه يا فندم... أنا أعرفها.» أحمد حس إن قلبه وقف.«مين هي؟» نور بصت له، وبعدها قالت الجملة اللي خلت كل حاجة حواليه تلف.«دي أنا... دي صورتي وأنا طفلة. » الصمت نزل على المكان. أحمد فضل باصص لها، مش قادر يستوعب اللي سمعه.«إنتِ؟!» نور هزت راسها، وهي بتعيط.«أيوه يا فندم. أمي الله يرحمها كانت محتفظة بصورة شبه دي، وكانت دايمًا تقولي إن فيه ست غنية أنقذتني وأنا صغيرة، وإنها كانت السبب إني أفضل عايشة. » أحمد رجع خطوة لورا، وبص للصورة مرة تانية. ليلى كانت شايلة نور وهي طفلة!لكن ليه مخبرتهوش؟وليه قالت في جوابها إن فيه حقيقة مرتبطة ببنت ممكن تكون أقرب ليه من أي حد تاني؟بص لنور، وملامحه بدأت تتغير.«نور، إنتِ عندك كام سنة؟ » «ستة وعشرين سنة يا فندم.» أحمد حس ببرودة بتجري في جسمه. نفس سن البنت اللي كان المفروض...لا. مستحيل. الموضوع ده انتهى من ستة وعشرين سنة، والكل أكد له وقتها إن مفيش أي أمل، وإنه لازم ينسى. بص لنور بعينين مليانين خوف، وسألها: «اسم والدك إيه؟ » نور نزلت راسها وقالت: «معرفش يا فندم. أمي كانت بتقول إنه مات قبل ما أولد.» «واسم أمك؟» «فاطمة إبراهيم.» أحمد ساب الصورة تقع من إيده. فاطمة إبراهيم!الاسم ده كان مكتوب في ملف قديم جدًا، ملف اختفى من مستشفى خاص في القاهرة، بعد دــ,,ـــــادثة حصلت يوم ١٥ مارس سنة ٢٠٠٠. وقبل ما أحمد يقدر ينطق بكلمة، تليفونه رن. كان رقم مجهول. رد بصوت متوتر: «ألو؟» جاله صوت راجل خشن من الناحية التانية: «مساء الخير يا أحمد بيه. أتمنى تكون قريت جواب مراتك.» أحمد اتجمد مكانه.«إنت مين؟» الراجل ضحك ضحكة قصيرة وقال: «أنا الشخص اللي يقدر يفسر لك كل اللي حصل. بس اسمعني كويس، لو عايز تعرف نور مين بجد، لازم تبعدها عنك فورًا.» أحمد بص لنور، اللي كانت واقفة قدامه مش فاهمة حاجة. صرخ في التليفون: «إنت مين يا حيوان؟ وإيه علاقتك بمراتي؟ » الصوت رد بهدوء مرعب: «اسأل نفسك الأول يا أحمد بيه... بنتك اللي قالولك إنها ماتت يوم ولادتها، اتدفــ,,ـــــنت فعلًا؟ ولا حد سرقها منك وإنت كنت فاكر إنك دفــ,,ـــــنتها؟» الخط اتقفل. التليفون وقع من إيد أحمد على الأرض. بص لنور، وعينيه مليانة صدمة، وبعدها همس بصوت مكسور: «يا نهار أسود...» لأن السؤال اللي سمعه للتو كان نفس السؤال اللي عمره ما قدر يواجهه من ستة وعشرين سنة. هل نور هي البنت اللي اتقال له إنها ماتت يوم ولادتها؟ولا فيه سر تاني أخطر، وليلى أخدته معاها للقبــ,,ـــــر؟ والأخطر من كل ده، إن الشخص اللي اتصل بيه كان عارف إن نور موجودة في قصره، وده معناه إن حد كان بيراقبهم من قبل ما البنت توصل بابه.#حكايات_شروق_خالدأحمد فضل واقف في نص الصالة، عينيه متعلقة بالتليفون اللي وقع من إيده، وكلام الراجل المجهول بيرن في ودانه. بنتك اللي قالولك إنها ماتت يوم ولادتها!الجملة دي رجعته ستة وعشرين سنة لورا، لليلة عمره ما قدر ينساها مهما حاول. ليلة ما كان واقف قدام أوضة العمليات في مستشفى خاص في القاهرة، مستني يسمع صوت بنته لأول مرة. كان وقتها لسه شاب، ولسه بيبني نفسه، وليلى كانت مراته وحبيبته وكل دنيته. لكن بعد ساعات من الانتظار، خرج الدكتور بوش حزين، وقاله إن مراته خلفت بنت، لكن البنت ماتت بعد الولادة بدقايق. ليلى وقتها كانت تعبانة ومش قادرة تتكلم، وأحمد كان منهار من الصدمة. ولما طلب يشوف بنته، قالوله إن الإجراءات اتعملت وإنه مش هيقدر يشوفها. حتى لما أصر، الدكتور رفض، وقاله إن رؤية الطفلة مش هتغير حاجة. أحمد وقتها كان صغير ومش فاهم، وواثق في الدكتور اللي كان بيتابع حالة مراته من أول الحمل. دفــ,,ـــــن بنته، وفضل سنين طويلة كل ما يشوف طفل صغير يحس بغصة في قلبه. ولما ليلى كانت تفتح الموضوع، كانت بتعيط وتقوله إنها مش قادرة تستحمل وجع الفقد مرة تانية. ومع الوقت، قرروا إنهم يحاولوا يعيشوا حياتهم من غير أطفال. لكن دلوقتي، بعد ستة وعشرين سنة، بنت غريبة دخلت بيته، ومعاها جواب من مراته المتوفية وصورة قديمة، وراجل مجهول بيقوله إن بنته ممكن تكون لسه عايشة. أحمد رفع عينيه ناحية نور. كانت واقفة في مكانها، وشها شاحب، وبتبص له بخوف. قالت بصوت مرتعش: «يا فندم... هو الراجل ده كان يقصد إيه؟ إنت عندك بنت ماتت؟» أحمد مقدرش يرد. قرب منها ببطء، وبص في ملامحها كأنه بيشوفها لأول مرة. عينيها البني، شكل مناخيرها، حتى الطريقة اللي كانت بتضم بيها إيديها لما بتتوتر. ..حاجات كتير كانت بتفكره بليلى. لكن فيه حاجة تانية، حاجة كان حاسس إنه شافها قبل كده. رفع إيده ناحية وشها، لكنه وقف قبل ما يلمسها. نور رجعت خطوة لورا بخوف.«حضرتك بتبصلي كده ليه؟» أحمد نزل إيده، وصوته خرج مبحوح: «أنا محتاج أعرف الحقيقة. » نور هزت راسها وهي بتعيط.«وأنا كمان يا فندم. أنا طول عمري نفسي أعرف أبويا مين. أمي كانت بتحبني، بس كانت كل ما أسألها عن أبويا تعيط وتقولي إنه مات قبل ما أولد، وإن الأحسن ليا إني منسألش عنه.» سكتت لحظة، وبعدها كملت: «قبل ما أمي تمــ,,ـــــوت بسنة، تعبت أوي. وفي آخر أيامها، نادتني وقالتلي إنها مخبية عني سر، وإنها نفسها تحكيهولي، بس خايفة أمــ,,ـــــوت من الصدمة.» أحمد قرب منها بسرعة.«قالتلك إيه؟» نور دخلت إيديها في جيب الجاكيت، وطلعت سلسلة فضة قديمة، متعلق فيها قلب صغير.«قالتلي إن السلسلة دي كانت معايا وأنا رضيعة، وإنها مش بتاعتها. وقالتلي لو في يوم قابلت الست اللي أنقذتني وأنا صغيرة، أسألها عن اسمي الحقيقي.» أحمد بص للسلسلة، وبعدها مد إيده ياخدها. أول ما شاف القلب الفضي، وشه اتغير تمامًا. إيده بدأت تترعش، وعينيه وسعت من الصدمة. «السلسلة دي...» نور بصت له بقلق.«حضرتك تعرفها؟» أحمد قلب القلب الفضي، ولقي نقش صغير على ضهره. حرفين متداخلين: أ و ل. أحمد وليلى. كان فاكر السلسلة دي كويس. هو بنفسه اشتراها قبل ولادة بنته بشهر، وطلب من الصايغ ينقش أول حرف من اسمه وأول حرف من اسم ليلى عليها. كان ناوي يحطها في إيد بنته أول ما تتولد. لكنه يوم الولادة، لما سأله عن السلسلة، الدكتور قاله إن الطفلة ماتت وإن الممرضات شالوا كل حاجتها. أحمد قبــ,,ـــــض على السلسلة، وحط إيده على صدـ,,ـــره، كأنه بيحاول يمنع قلبه من الانفجار. همس: «يا رب... يا رب تكوني بنتي. » نور سمعت كلامه، وشهقت.«بنت حضرتك؟!» أحمد رفع عينيه ليها، والدموع بدأت تتجمع فيها رغم محاولته المستمرة إنه يتمالك نفسه.«أنا مش هكدب عليكي يا نور. فيه احتمال إنك تكوني بنتي، بس أنا مش هقدر أأكدلك حاجة غير لما أعرف الحقيقة. » نور حطت إيديها على وشها وانهارت في العياط.«يعني أنا طول عمري كنت بدور على أبويا، وهو ممكن يكون عايش؟!» أحمد قرب منها، ولأول مرة من سنين طويلة، مد إيده يطبطب على كتف حد من غير ما يفكر في صورته قدام الناس.«اهدي يا بنتي... اهدي.» لكن أول ما قال كلمة «بنتي»، نور رفعت عينيها ليه. الكلمة دي وجعتها وفرحتها في نفس الوقت. هي عمرها ما سمعت الكلمة دي من راجل، ولا عرفت يعني إيه يكون ليها أب يحميها ويخاف عليها. لكنها كانت خايفة تصدق، خايفة تتعلق بأمل جديد، وبعدها تكتشف إنه مجرد وهم. قالت بصوت ضعيف: «ولو طلعت مش بنت حضرتك؟» أحمد رد من غير تردد: «هفضل أساعدك لحد ما نعرف الحقيقة، ومش هسمح لأي حد يأذيكي.» نور بصت له، وفي اللحظة دي سمعت صوت خطوات سريعة جاية من ناحية الباب. ظهر عم رجب، وشه متوتر.«أحمد بيه... فيه مشكلة.» أحمد لف له بحدة.«إيه اللي حصل؟» عم رجب بلع ريقه وقال: «العربية السودا اللي واقفة بره بقالها أكتر من ساعة، اختفت. ولما الحارس راجع الكاميرات، لقينا واحد واقف قدام البوابة من شوية، وكان بيصور القصر بالموبايل.» أحمد عينيه ضاقت. «مين الراجل ده؟» «مش عارفين يا بيه، لابس كاب ومغطي وشه.» أحمد بص لنور، وبعدها رجع بص لعم رجب.«من اللحظة دي، محدش يدخل القصر ولا يخرج منه غير لما أعرف مين اللي بيراقبنا. وعايز تسجيلات الكاميرات كلها على مكتبي حالًا.» عم رجب هز راسه ومشي بسرعة. أحمد مسك تليفونه واتصل برئيس الأمن بتاعه.«يا سامح، عايزك تيجي القصر فورًا. وفيه رقم مجهول اتصل بيا من شوية، عايزك تعرف صاحبه مين. محدش يعرف إنك شغال على الموضوع ده، فاهم؟» رد سامح: «تحت أمرك يا فندم.» قفل أحمد التليفون، وبعدها بص لنور. «إنتِ هتفضلي هنا الليلة دي.» نور اتوترت.«بس يا فندم، أنا مينفعش أفضل هنا. أنا مش عايزة أسبب لحضرتك مشاكل.» أحمد رد بحزم: «الموضوع مبقاش موضوع مشاكل. فيه حد عارف إنك هنا، وفيه حد مش عايزني أعرف إنتِ مين. وده معناه إن خروجك دلوقتي ممكن يعرضك للخطر. » نور سكتت، وبعدها سألت بخوف: «هو ممكن يكون حد . الهانم؟» السؤال نزل على أحمد زي الرصاصة. كان هو نفسه بيسأل السؤال ده من ساعة ما قرأ جواب ليلى. مراته ماتت فجأة بعد ما رجعت من رحلة قصيرة للإسكندرية. الدكتور قال إن قلبها وقف، وإن مفيش أي شبهة جنائية. لكن قبل مــ,,ـــــوتها بأيام، لاحظ إنها بقت متوترة، وبترد على تليفونات في السر، ولما كان بيسألها كانت بتقوله إنها مجرد مشاكل تخص الجمعية الخيرية اللي بتساعد فيها. أحمد كان مصدقها، لأنه عمره ما شك فيها. لكن دلوقتي كل حاجة بقت مختلفة. بص لنور وقال: «مش هقدر أقولك آه أو لأ، لكن هعرف الحقيقة، حتى لو اضطريت أقلب مصر كلها علشان أوصل لها.» في اللحظة دي، موبايله رن تاني. نفس الرقم المجهول. أحمد رد فورًا، وشغل مكبر الصوت.«إنت مين؟ وإنت عايز إيه مني؟» الصوت جه هادي: «أنا قلتلك تبعد البنت دي عنك.» أحمد صرخ: «إنت فاكر نفسك مين علشان تهددني في بيتي؟!» الراجل ضحك وقال: «أنا مش بهددك يا أحمد بيه. أنا بحاول أنقذ حياتك.» «تنقذ حياتي من مين؟» «من الحقيقة اللي مراتك خبتها عنك.» أحمد قبــ,,ـــــض على التليفون بقوة. «لو عندك حاجة تقولها، قولها بدل ما تتكلم زي الجبناء.» الصوت سكت لحظة، وبعدها قال: «اسأل نور عن اسمها اللي كان مكتوب في سجل الولادة.» أحمد بص لنور بسرعة. هي نفسها اتجمدت مكانها. الراجل كمل: «اسمها الحقيقي مش نور إبراهيم. الاسم ده اتكتب بعد ما خرجت من المستشفى. الاسم اللي اتولدت بيه هو ليلى أحمد المنشاوي.» التليفون اتقفل. أحمد حس إن الدم انسحب من وشه. نور كانت بتبص له، ومش فاهمة حاجة.«هو قال إيه يا فندم؟» أحمد مقدرش يرد. فتح الجواب تاني، وبدأ يقلب في الأوراق اللي كانت جواه، لحد ما لقى ورقة صغيرة ملزوقة في آخر صفحة، مكتوب فيها بخط ليلى: «أحمد، لو وصلت للحقيقة وعرفت إن نور هي بنتنا، أوعى تواجه الشخص اللي كان السبب لوحدك. الشخص ده عايش وسطنا، وبيمثل إنه أكتر إنسان بيحبك.» أحمد قرأ الجملة أكتر من مرة. وبعدين رفع عينيه لنور وقال: «فيه حاجة لازم تعرفيها.» نور قربت منه بخطوات مترددة. «إيه هي؟» أحمد أخد نفس عميق، وحاول يسيطر على صوته.«أنا كان ليا بنت، اتقال لي إنها ماتت يوم ولادتها. والنهارده، لأول مرة من ستة وعشرين سنة، فيه أمل إنها تكون عايشة.» نور دموعها نزلت تاني.«وإنت شايف إني ممكن أكون هي؟ » أحمد هز راسه.«كل الأدلة بتقول كده، لكن لازم نعمل تحليل DNA علشان نتأكد.» نور سكتت شوية، وبعدها قالت: «أنا موافقة. بس عندي طلب واحد.» «اطلبي اللي إنتِ عايزاه.» بصت له بعينين مليانين دموع وقالت: «لو طلعت بنت حضرتك بجد، متسبنيش زي ما اتسبت طول عمري. أنا مش عايزة فلوسك، ولا قصرك، ولا أي حاجة. أنا بس عايزة أعرف ليه اتسابيت، وليه محدش دور عليا.» أحمد حس إن قلبه بيتقطع. قرب منها، وبص في عينيها وقال: «والله العظيم يا نور، لو إنتِ بنتي، فأنا عمري ما كنت هسيبك بإرادتي. أنا اتقال لي إنك متي، وصدقتهم لأن مكنش عندي أي سبب أشك في كلامهم. ولو حد سرقك مني، هجيبه، ومش هسيبه غير لما أعرف ليه عمل كده.» نور هزت راسها، لكنها كانت لسه خايفة. وفي اللحظة دي، دخل سامح رئيس الأمن، ومعاه ملف صغير. «أحمد بيه، قدرت أجيب جزء من تسجيلات الكاميرات.» أحمد أخد الملف بسرعة.«لقيت إيه؟» سامح فتح اللابتوب، وشغل تسجيل من كاميرا البوابة. ظهر الراجل اللي كان واقف قدام القصر، ورفع وشه ناحية الكاميرا للحظة واحدة. أحمد اتسمر مكانه. لأنه عرفه فورًا. الراجل ده كان أقرب شخص ليه، الشخص اللي كان بيعتبره أخوه، واللي وقف جنبه في أصعب أيام حياته. كان شريف الدمنهوري، شريكه في كل شركاته، وصاحب عمره اللي حضر جنازة ليلى بنفسه، ووقف يعزيه وهو بيمثل الحزن عليها. أحمد بص للشاشة، وعينيه اتحولت لغضب مخيف. همس: «إنت يا شريف؟!» لكن الصدمة الأكبر كانت لسه مستنياه. لأن سامح فتح ملف تاني، وقال بصوت متردد: «يا أحمد بيه، فيه حاجة تانية لازم حضرتك تشوفها. إحنا راجعنا تسجيلات المستشفى القديم، وقدرنا نوصل لنسخة من سجل الولادة.» أحمد لف له بسرعة. سامح حط ورقة قديمة قدامه. وفي خانة اسم الأب، كان مكتوب اسم أحمد المنشاوي. أما في خانة اسم الأم، فكان مكتوب اسم ليلى المنشاوي. لكن جنب اسم الطفلة، كان فيه توقيع الطبيب اللي أعلن وفاتها. أحمد قرب الورقة من عينيه، ولما قرأ اسم الدكتور، حس إن الدنيا وقفت. الدكتور اللي وقّع على وفــ,,ـــــاه بنته، كان هو نفسه الدكتور اللي أعلن وفــ,,ـــــاه مراته ليلى قبل أيام قليلة. رفع أحمد عينيه ناحية سامح، وصوته خرج مخيفًا من شدة الغضب: «عايز الدكتور ده قدامي... حالًا.» لكن سامح رد بجملة واحدة خلّت الدم يتجمد في عروقهم: «يا فندم، الدكتور اختفى من مصر من تلات أيام... وقبل ما يختفي، حد حوّل مبلغ خمسين مليون جنيه من حساب شركة حضرتك لحسابه الشخصي.» أحمد بص لنور. وبعدين بص للورقة. وفهم إن اللي حصل من ستة وعشرين سنة مكنش مجرد خطأ طبي. دي كانت جريمة متخطط لها بعناية. والسؤال اللي فضل يطارده في اللحظة دي كان واحد بس: لو شريف والدكتور اشتركوا في سرقة بنته منه، يبقى ليه ليلى سكتت كل السنين دي؟ وإيه السر اللي ماتت وهي بتحاول تحميه؟ أحمد كان واقف في نص مكتبه، ماسك الورقة القديمة بإيد، والتليفون في إيده التانية، وعينيه بتتحرك بين اسم الدكتور واسم شريف. ستة وعشرين سنة!ستة وعشرين سنة وهو فاكر إن بنته ماتت، وستة وعشرين سنة وهو عايش محروم من إنه يسمع كلمة «بابا» من طفلة كانت من حقها تكبر في حــ,,ـــــضنه. والأغرب إن أقرب واحد ليه كان عارف الحقيقة، وواقف جنبه طول السنين دي، بياكل معاه ويشرب معاه، ويدخل بيته كأنه واحد من العيلة!أحمد خبط بإيده على المكتب لدرجة إن الكوباية وقعت واتكسرت.«يا ولاد الكلب!» سامح وقف ساكت، لأنه عارف إن أحمد لما بيغضب بالشكل ده، محدش بيقدر يقف في طريقه. أحمد بص له وقال: «عايز كل المعلومات عن الدكتور ده. اسمه الحقيقي، عنوانه، حساباته، كل واحد اتعامل معاه في آخر ستة وعشرين سنة. ومش عايز أي حد يعرف إننا بندور عليه. » «حاضر يا فندم.» «وشريف؟» سامح اتردد قبل ما يرد.«شريف بيه في بيته من ساعة ما خرج من الجنازة. رجالتنا بيراقبوه.» أحمد ضحك ضحكة قصيرة، لكن مفيهاش أي فرحة.«في بيته؟ أمال كان بيعمل إيه قدام قصري؟ بيطمن إن خطته نجحت؟ ولا كان جاي يشوف البنت اللي سرقها مني زمان؟ » نور كانت واقفة جنب الباب، بتسمع الكلام وهي حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها. بنت أحمد المنشاوي؟يعني الراجل اللي كانت بتشوفه في التلفزيون، واللي الناس كلها بتتكلم عن ثروته ونفوذه، ممكن يكون أبوها الحقيقي؟ كانت طول عمرها بتنام وهي بتتمنى يكون عندها أب، حتى لو راجل بسيط، حتى لو مش معاه فلوس، المهم يكون موجود ويسأل عليها ويحس بيها. لكن عمرها ما تخيلت إن الحقيقة ممكن تكون بالشكل ده. بصت لأحمد وقالت بصوت ضعيف: «ممكن أسألك سؤال؟» أحمد لف لها فورًا، ولما شاف الدموع في عينيها، غضبه هدي شوية.«اسألي يا نور.» «لو أنا بنتك فعلًا... ليه مرات حضرتك مخبتش عنك الحقيقة طول السنين دي؟ وليه استنت لحد ما ماتت علشان تبعتلك الجواب؟» السؤال وجعه أكتر من أي حاجة تانية. أحمد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.«مش عارف يا بنتي... والله ما عارف.» وبعد لحظات، رفع راسه وقال: «بس فيه حاجة واحدة أنا متأكد منها. ليلى عمرها ما كانت هتأذيني، ولا كانت هتخبي عني حاجة بالشكل ده من غير سبب. لو سكتت، يبقى كانت خايفة من حاجة أكبر منها.» نور بصت للصورة اللي على المكتب، صورة ليلى وهي مبتسمة.«أنا شوفتها مرتين قبل كده، وكانت طيبة أوي معايا. أول مرة قابلتها، أمي كانت في المستشفى، وأنا كنت قاعدة في الطرقة بعيط علشان مكنش معايا فلوس أجيب الدوا. الهانم سألتني في إيه، ولما عرفت، دفعت كل حاجة.» سكتت شوية، وبعدين كملت: «المرة التانية، جت تزور أمي لوحدها. قعدت معاها وقت طويل، ولما خرجت، لقيتها بتعيط. سألتها مالها، قالتلي إنها افتكرت بنتها.» أحمد رفع راسه بسرعة.«قالتلك إنها افتكرت بنتها؟ » نور هزت راسها.«أيوه. قالتلي إنها كان نفسها بنتها تكبر وتبقى زيي.» أحمد حس بدموعه بتنزل من غير ما يقدر يمنعها. ليلى كانت عارفة. كانت عارفة إن بنتها عايشة، وإنها قدامها، ومع ذلك مقدرتش تقول لها الحقيقة. ليه؟ إيه اللي كان ممكن يخوف ست زي ليلى لدرجة إنها تحرم نفسها من بنتها كل السنين دي؟وفجأة، نور حطت إيدها على جيب الجاكيت بتاعها، وكأنها افتكرت حاجة مهمة.«استنى يا أحمد بيه... فيه حاجة تانية.» أحمد بص لها.«إيه؟» نور طلعت موبايلها القديم، وفتحت الصور، وبعد شوية لقت صورة كانت محتفظة بيها من يوم وفــ,,ـــــاه أمها.«أمي قبل ما تمــ,,ـــــوت، قالتلي إن فيه حاجة مخبياها في الدولاب القديم، وإن لو في يوم عرفت حقيقة أبويا، لازم أروح أجيبها.» أحمد قام من مكانه. «وإنتِ مجبتيهاش ليه؟» «كنت خايفة. أمي قالتلي محدش يعرف مكان الحاجة دي، وإن لو حد سألني عنها، منردش عليه.» «الحاجة دي فين؟» نور ردت: «في شقتنا القديمة في السيدة زينب.» أحمد مسك مفاتيحه فورًا.«يلا بينا. » سامح اعترض: «يا فندم، مينفعش حضرتك تروح بنفسك. إحنا منعرفش مين بيراقب البنت، ولا إذا كان شريف عرف إنها وصلت هنا ولا لأ.» أحمد بص له بحدة.«دي ممكن تكون بنتي يا سامح. ومش هسيبها تروح مكان خطر لوحدها.» وبعدين بص لنور وقال: «هتروحي معايا، بس هتفضلي جنبي، ومش هتتحركي خطوة من غير ما أكون عارف.» نور هزت راسها. وبعد نص ساعة، كانت العربيات بتتحرك في شوارع القاهرة، وسط زحمة الليل وأصوات العربيات اللي لسه مالية الشوارع. أحمد كان قاعد في العربية الخلفية جنب نور، ساكت طول الطريق، لكن كل شوية يبصلها من طرف عينه. كان بيحاول يتخيل شكلها وهي طفلة صغيرة، بتجري في البيت وتنادي عليه «بابا».كان بيتخيل أول يوم مدرسة ليها، وأول عيد ميلاد، وأول مرة تقع وتتخبط وتعيط في حــ,,ـــــضنه. كل الحاجات دي اتحرمت منها، واتحرم هو منها بسبب ناس قررت تلعب بمصيرهم. ولما وصلوا السيدة زينب، وقفوا قدام عمارة قديمة في شارع ضيق. نور نزلت من العربية، وفضلت باصة للعمارة بحزن.«هنا عشت طول عمري مع أمي.» أحمد بص للمبنى القديم، وبعدها بص للقصر اللي سايبه وراه في التجمع الخامس. البنت اللي ممكن تكون بنته عاشت ستة وعشرين سنة في شقة بسيطة، وهو كان عايش وسط الرفاهية، فاكر إن طفلته ماتت. حس بالخزي، رغم إنه كان ضحية زيها. طلع معاها السلم، لحد ما وصلوا للشقة اللي في الدور التالت. نور طلعت المفتاح من شنطتها وفتحت الباب. ريحة البيت القديم استقبلتهم، ريحة الدوا والهدوم المخزنة، وريحة ذكريات عمرها ما هترجع. الشقة كانت بسيطة جدًا، أوضة وصالة ومطبخ صغير. على الحيطة صورة لست في الخمسينات، وشها طيب وعينيها شبه عيون نور. نور قربت من الصورة وهمست: «وحشتيني يا أمي.» أحمد وقف بعيد، وسابها تاخد وقتها. بعد شوية، مسحت دموعها وقالت: «الدولاب هنا.» دخلت أوضة النوم، وفتحت دولاب خشب قديم، وبدأت تدور بين الهدوم. وبعد دقائق، سحبت درج صغير من تحت الرف، وطلعت منه علبة صفيح قديمة. إيديها كانت بتترعش وهي بتحطها على السر,,ـــــير. «أمي قالتلي إني ممنوع أفتحها غير لما أعرف أبويا.» أحمد قرب منها.«افتحيها يا نور.» رفعت الغطا ببطء. جوا العلبة كان فيه جواب قديم، وشريط كاسيت صغير، وصورة لست شابة واقفة قدام مستشفى، شايلة طفلة ملفوفة في بطانية بيضا. أحمد أخد الصورة، وأول ما شاف الست اللي فيها، حس إن نفسه اتقطع. دي كانت ليلى!لكن ليلى في الصورة كانت أصغر بكتير، ووشها مرهق، وعينيها حمرا من العياط. وعلى ضهر الصورة، كان مكتوب: «١٦ مارس ٢٠٠٠... اليوم اللي اتسرقت فيه بنتي من حــ,,ـــــضني.» أحمد قعد على طرف السر,,ـــــير، وعينيه بتتحرك على الكلمات.«اتسرقت من حــ,,ـــــضنها؟!» نور فتحت الجواب، وبدأت تقرأ بصوت مرتعش: «أنا فاطمة إبراهيم، وبكتب الكلام ده علشان لو جرالي أي حاجة، بنتي تعرف الحقيقة. أنا مكنتش أم نور الحقيقية، لكني كنت بحبها كأنها بنتي اللي خلفتها. أخدتها من المستشفى بأمر من شخص هددني، وقاللي لو رفضت، هي. ابني الصغير. قاللي إن الطفلة لازم تختفي، وإن أمها وأبوها لازم يفضلوا فاكرين إنها ماتت.» نور شهقت، والجواب وقع من إيدها.«يعني أمي... أمي كانت عارفة؟» أحمد أخد الجواب وكمل قراءة. «بعد سنين، عرفت إن الراجل اللي سلمني الطفلة كان الدكتور المسؤول عن الولادة. حاولت أرجع البنت لأهلها، لكن الشخص اللي ورا كل ده كان أقوى مني. ولما عرفت إن ليلى بتدور على بنتها، خفت عليها، وخبيت الحقيقة تاني. لكن قبل ما أمــ,,ـــــوت، لازم أقول إن الشخص اللي أمر بخطف الطفلة هو...» الجواب كان مقطوعًا عند آخر سطر. الجزء اللي فيه اسم الشخص كان متشال بعناية. أحمد قبــ,,ـــــض على الورقة بغضب.«مين؟ مين اللي أمر بكده؟!» نور كانت بتعيط ومش قادرة تتكلم. أحمد بص للشريط القديم.«لازم نسمع ده.» لكن قبل ما يتحركوا، سمعوا صوت باب الشقة بيتفتح. نور اتجمدت مكانها. أحمد وقف فورًا، وحط نور وراه، وبص ناحية باب الأوضة. ظهر راجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية رمادي، ووشه شاحب، وإيده بتترعش. أول ما شاف أحمد، رجع خطوة لورا. أحمد عرفه. كان الدكتور اللي وقّع على وفــ,,ـــــاه بنته، واللي اختفى من مصر من تلات أيام!الدكتور بص لنور، وبعدها بص لأحمد، وقال بصوت مكسور: «أنا عارف إنكم هتوصلوا للحقيقة في يوم من الأيام... بس مكنتش أتمنى إن اليوم ده ييجي. » أحمد اندفع ناحيته ومسكه من ياقة قميصه.«إنت عملت إيه في بنتي يا مجرم؟!» الدكتور ماقاومش، لكنه قال جملة خلت أحمد يسيبه من الصدمة.«أنا اللي سلمت الطفلة لفاطمة، لكن أنا مكنتش صاحب الخطة... شريف هو اللي دفع الفلوس. » أحمد عينيه احمرت من الغضب.«ليه؟! ليه شريف يعمل كده؟!» الدكتور بص لنور، وبعدها قال: «علشان شريف كان عايز يرث إمبراطوريتك، وكان عارف إن وجود بنت ليك هيغير كل حاجة. لكنه مكنش يقدر ي. ك، لأنك كنت حذر. فقرر يوجعك بالطريقة اللي كان متأكد إنها هتدمرك من جوا. » نور حطت إيدها على بقها. أحمد قرب من الدكتور، وصوته بقى أخفض وأخطر: «وليه ليلى سكتت؟» الدكتور نزل عينيه للأرض.«لأن شريف هددها. قاللها لو فتحت بقها، هي. بنتها قدام عينيها. ولما ليلى عرفت مكان نور بعد سنين، حاولت ترجعها، لكن شريف اكتشف الموضوع وهددها من جديد. » أحمد حس إن رجليه مش شايلينه.«إنت بتقول إيه؟ ليلى كانت عارفة مكان بنتها؟» الدكتور هز راسه.«أيوه. وكانت بتشوفها من بعيد، وبتساعدها من غير ما تعرفها بحقيقتها. كانت مستنية اللحظة المناسبة علشان تقولك، لكن شريف كان بيراقبها.» نور كانت بتعيط بحــ,,ـــــرقة. «يعني أمي ليلى كانت عايشة طول السنين دي، وهي عارفة إني بنتها؟» الدكتور بص لها بحزن.«أيوه يا بنتي. وكانت بتحبك أكتر مما تتخيلي.» نور انهارت على الكرسي، وغطت وشها بإيديها. أحمد قرب منها، لكنه مكنش عارف يقول إيه. إزاي يواسي بنت اكتشفت في ليلة واحدة إن أبوها الحقيقي كان عايش طول عمرها، وإن أمها الحقيقية كانت قريبة منها، وإنها اتحرمت من الاتنين بسبب مؤامرة قذرة؟وفجأة، الدكتور مد إيده في جيبه وطلع فلاشة صغيرة.«فيه تسجيل أخير لليلى. قبل ما تمــ,,ـــــوت بيوم، بعتتلي التسجيل ده، وقالتلي أوصلهولك لو حصل لها أي حاجة.» أحمد خطف الفلاشة.«إنت كنت مخبيها ليه؟!» الدكتور رد وهو بيعيط: «كنت خايف. أنا غلطت من ستة وعشرين سنة، وفضلت عايش في الرعب من اليوم اللي هتتحاسب فيه على اللي عملته. » أحمد بص له باحتقار.«إنت مش خايف من الحساب يا دكتور، إنت خايف من العقاب.» وقبل ما الدكتور يرد، موبايل أحمد رن. كانت مكالمة من سامح. رد أحمد بسرعة: «قول يا سامح.» سامح قال بصوت متوتر: «يا أحمد بيه، شريف عرف إن الدكتور ظهر. رجالتنا رصدوا عربيتين جايين ناحية السيدة زينب، وفيه أوامر بالقبــ,,ـــــض على الدكتور من ناس مش تبع الشرطة.» أحمد بص للدكتور، وبعدها لنور.«إنتوا فين بالظبط؟» «قدام العمارة يا فندم... والعربيات قربت.» أحمد قفل المكالمة، وبص للدكتور وقال: «لو كلامك حقيقي، يبقى الليلة دي آخر فرصة ليك تصلح جزء من اللي عملته.» وبعدين مسك إيد نور وقال: «هنخرج من هنا، وهنوصل التسجيل للجهات المختصة، ومش هسيب شريف يهرب من اللي عمله.» لكن قبل ما يخرجوا من الأوضة، سمعوا صوت خطوات تقيلة على السلم، وبعدها صوت راجل بيصرخ من بره الشقة: «افتحوا الباب! محدش فيكم هيخرج من هنا عايش!» نور مسكت إيد أحمد بقوة، وهمست وهي بتترعش: «بابا... أنا خايفة.» أحمد اتجمد. دي أول مرة يسمع منها الكلمة دي. بص لها، وعينيه امتلوا بالدموع، لكنه شد على إيدها وقال: «ماتخافيش يا بنتي. طول ما أنا عايش، محدش هيقدر يقربلك.» وفي اللحظة دي، اتكسر باب الشقة، وظهر شريف الدمنهوري واقف في المدخل، وفي إيده مسدس. بص لأحمد بابتسامة باردة، وبعدها نقل عينيه لنور. وقال بهدوء مرعب: «أخيرًا لقيتوا بعض... بس للأسف، لمّة العيلة دي مش هتكمل.» رفع المسدس ناحية نور. وأحمد اندفع قدام بنته من غير ما يفكر، وهو بيصرخ: «لو هت. حد، ا. ني أنا!» شريف ضحك، ورفع المسدس أكتر.«ده بالظبط اللي كنت مستنيه يا أحمد... إنك تختار تمــ,,ـــــوت بدل بنتك.» لكن قبل ما صباعه يضغط على الزناد، جه صوت طلقة دوّت في الشقة. نور صرخت. وأحمد حس بجسم حد بيقع جنبه. لكن اللي وقع مكانش شريف... كان الدكتور، اللي اندفع قدام أحمد في آخر لحظة، وأخد الرصاصة في صدـ,,ـــره. والسر اللي كان مخبيه ستة وعشرين سنة، مات معاه قبل ما يقول آخر كلمة. أو على الأقل. .. ده اللي أحمد افتكره، لحد ما الدكتور مسك إيده بقوة، وهمس بصوت متقطع: «شريف... مش هو اللي بدأ كل ده... فيه حد تاني... حد أقرب ليك منه...» وبعدها عينه ثبتت، وإيده ارتخت. أحمد رفع راسه ببطء ناحية شريف، اللي كان واقف مذهول، وبعدين قال بصوت مليان غضب: «مين الشخص التاني يا شريف؟!» شريف رجع خطوة لورا، ولأول مرة في حياته، أحمد شاف الخوف الحقيقي في عينيه. لأن الشخص اللي الدكتور كان هيكشفه، لو اتعرف اسمه، مش هيهدد إمبراطورية أحمد بس...ده ممكن يهدّ كل اللي فاضل من عيلته.#حكايات_شروق_خالد