فى جنازة مراته ١
كان نفسه الناس كلها تمشي وتسيبه لوحده، بعيد عن العيون والكلام والمجاملات اللي مش قادر يستحملها. لكن أحمد المنشاوي، الراجل اللي الكل بيخاف منه وبيحسب له ألف حساب، اكتشف في اللحظة دي إن الفلوس والنفوذ مش قادرين يخلّوه يهرب من وجعه، ولا يرجعوا له الإنسانة الوحيدة اللي كان بيحس معاها إنه بني آدم عادي، مش مجرد مليونير الكل بيطمع في رضاه.
لما مراسم الجنازة خلصت، والناس بدأت تمشي واحدة ورا التانية، أحمد فضل واقف مكانه، عينيه متعلقة بالنعش اللي التراب غطى جزء كبير منه. صوابعه كانت بتترعش وهو بيشد معطفه الأسود عليه، رغم إنه مكنش حاسس بالبرد أصلًا. الوجع اللي جواه كان أقوى من أي إحساس تاني.
سواقه العجوز عم رجب كان واقف بعيد شوية، مستنيه بصبر. الراجل ده خدم أحمد أكتر من عشرين سنة، وكان عارف إن سيده محتاج وقت علشان يودع مراته للمرة الأخيرة. أحمد أخد نفس طويل، ومسح وشه بإيده، وبعدها لف علشان يمشي ناحية العربية.
لكن فجأة، عينيه وقعت على بنت شابة واقفة عند سور المقابــ,,ـــــبر، مستخبية نصها ورا شجرة كبيرة. وشها كان شاحب، وعينيها مليانة حزن وخوف، وملامحها كانت غريبة عليه، لكنه لسبب مش مفهوم حس إن فيه حاجة فيها شدت انتباهه.
البنت مكنتش شبه أي حد موجود في الجنازة. بينما كل الحاضرين كانوا لابسين هدوم سودا غالية، ومعاطف مستوردة، وشالات باين من شكلها إنها بأثمان كبيرة، كانت هي لابسة جاكيت بسيط وقديم شوية، وبنطلون جينز باين عليه الاستهلاك.
شعرها البني الطويل كان نازل على كتافها، وإيديها كانت مقبوضة بقوة، كأنها بتحاول تمنع نفسها من عمل حاجة معينة. أحمد قطب حواجبه، وفضل يبص لها وهو بيحاول يفتكر إذا كان شافها قبل كده. مين البنت دي؟
وإيه اللي جابها جنازة مراته؟هو عمره ما شافها في أي مناسبة تخص شغله، ولا افتكر إن ليلى كان عندها قريبة بالشكل ده. ومع ذلك، كان فيه إحساس غريب بيتحرك جواه، إحساس خلاه يركز معاها أكتر من اللازم، وقلبه يدق بسرعة بسيطة من غير ما يفهم السبب.
البنت أخدت خطوة ناحيته، ووقفت مكانها. بصت له، وبعدين بصت للقبــ,,ـــــر، وبعدها رجعت بصت له تاني، وكأنها عايزة تقوله حاجة مهمة، لكنها خايفة من رد فعله. أحمد فضل ثابت مكانه، مستني إنها تقرب. ولثواني قليلة، عينيهم اتقابلت. في اللحظة دي، البنت اتوترت، ووشها اتغير، وكأنها شافت في عينيه حاجة خوفتها.