الساعه تسعه
نفس الوقت.
نفس الدقيقة اللي كنت واقعة فيها على الأرض من سنة.
المطعم كان مليان ضحك وكلام، لكني للحظة ما سمعتش غير الصمت القديم.
افتكرت الألم.
والخوف.
والأثر اللي كان على الأرض.
غمضت عيني، وخدت نفسًا طويلًا.
ولما فتحتها، لقيت فينسينت واقف قريب مني.
ما سألنيش إذا كنت كويسة.
كان عارف إني محتاجة لحظة.
وقف جنبي، وبص ناحية الساعة.
“تسعة وخمستاشر.”
هزيت راسي.
“أيوه.”
سكتنا شوية.
وبعدين قلت: “أنا كنت فاكرة إن الليلة دي هتفضل أسوأ ليلة في حياتي.”
فينسينت رد بهدوء: “ويمكن تفضل ليلة صعبة في ذاكرتك.”
بصيت له.
“بس مش هي آخر حاجة هفتكرها عن المكان ده.”
ابتسم.
“لأ.”
بصيت ناحية الترابيزة اللي كانت روزا بتحب تقعد عليها، وبعدها ناحية الأوضة اللي فوق المطعم، اللي بقى فيها ناس بيلاقوا المساعدة من غير ما يضطروا يدفعوا تمنها من كرامتهم.
“أنا لما وقعت هنا، كنت فاكرة إن حياتي كلها انتهت.”
صوتي ارتعش قليلًا.
“ما كنتش أعرف إن بعد الليلة دي، هقدر أساعد حد تاني يقوم.”
فينسينت بص لي بعينين هاديتين.
“إنتِ اللي قمتي بنفسك يا إميليا.”
هزيت راسي.
“يمكن. بس إنت كنت موجود عشان تفكرني إن من حقي أقوم.”
ما ردش.
بس مد إيده، وأنا مسكتها.
وفي اللحظة دي، ما كنتش الموظفة اللي اتعرضت لموقف مؤذٍ قدام الناس، ولا الست اللي هربت من جواز مؤلم، ولا الشخص اللي بيحاول يثبت إنه قوي.
كنت إميليا.
إنسانة عاشت أيامًا صعبة، وخافت، ووقعت، وقامت، ولسه بتتعلم إزاي تعيش من غير ما تعتذر عن وجودها.
بعد ما الناس مشيت، فضلنا أنا وفينسينت وماريا في المطعم.
ماريا كانت بتلم آخر الأطباق، وفينسينت وقف قدام صورة أمه، حاطط إيده في جيبه، وباصص لها طويلًا.
قربت منه.
“بتفكر في إيه؟”
قال: “في أول يوم فتحت فيه أمي المطعم.”
ابتسم.
“كان المكان أصغر من كده بكتير، والفرن كان بيبوظ كل شوية، وأبويا كان بيقول لها إنها مش هتقدر تكسب فلوس لو فضلت توزع الأكل ببلاش.”
ضحكت.
“وهي عملت إيه؟”
“قالت له إن الرزق مش هيقل لمجرد إنك شبعت حد جعان.”
بص للصورة، وبعدين كمل: “أبويا مات قبلها بسنين، ولما أمي ماتت، حسيت إن المطعم ده بقى آخر حاجة تربطني بيها. كنت بحافظ عليه كأنه صندوق مقفول، أخاف أي حد يلمسه أو يغير فيه حاجة.”
“وبعدين؟”
لف ناحيتي.
“وبعدين إنتِ وقعتي على الأرض، وفهمت إن الحفاظ على المكان مش معناه إننا نحافظ على الجدران بس. لازم نحافظ على المعنى اللي اتبنى عشانه.”