الساعه تسعه

كانت لابسة جاكيت قديم، وشعرها مربوط بعجلة، وعينيها مليانة قلق.

وقفت عند الباب كأنها مش متأكدة إذا كان مسموحًا لها تدخل.

“هو… المكان ده بيساعد الناس؟”

ابتسمت لها.

“أيوه. اتفضلي.”

بصت وراها، وبعدين رجعت بصت لي.

“أنا مش معايا فلوس.”

حسيت بقلبي بيتقبض.

نفس الجملة اللي كنت ممكن أقولها وأنا داخلة مطعم كاستيلانو لأول مرة.

قربت منها خطوة، لكني ما لمستهاش.

“مش مطلوب منك فلوس.”

“ولا لازم أحكي كل حاجة؟”

هزيت راسي.

“مش لازم تحكي أي حاجة مش مستعدة تحكيها. تقدري تقعدي، وتشربي حاجة، وتاكلي. ولو حبيتي تتكلمي مع الأخصائية، هي موجودة.”

الست بصت للبنت اللي جنبها.

البنت كانت ماسكة طرف جاكيت أمها، وباصالي بخجل.

نزلت لمستواها وابتسمت.

“تحبي شوكولاتة ساخنة؟”

بصت لأمها، ولما أمها هزت راسها، ابتسمت ابتسامة صغيرة.

جبت لها كوبًا، وجبت لأمها شوربة وسندوتشًا.

الست مسكت الطبق بإيديها الاتنين، وبدأت تعيط بصمت.

أنا ما سألتهاش ليه.

قعدت جنبها، وفضلت ساكتة لحد ما قدرت تتكلم.

قالت بصوت مكسور: “أنا كنت فاكرة إن مفيش مكان أقدر أروحه.”

بصيت لها وقلت: “فيه.”

رفعت عينيها لي.

“حتى لو ما عنديش فلوس؟”

“حتى لو ما عندكيش فلوس.”

“حتى لو أنا خايفة؟”

ابتسمت، ودموعي نزلت من غير ما أحس.

“خصوصًا لو إنتِ خايفة.”

في اللحظة دي، بصيت ناحية الباب، ولقيت فينسينت واقف بعيد، بيتفرج علينا من غير ما يتدخل.

ما قالش حاجة.

بس لما عيني جت في عينه، هز راسه بهدوء.

وعرفت إنه افتكر أمه.

وأنا افتكرت نفسي.

بعد الافتتاح، حياتي ما بقتش مثالية.

لسه كنت بصحى أحيانًا من كوابيس قديمة، ولسه بعض الأصوات العالية كانت بتخليني أتوتر، ولسه كنت بتعلم إزاي أقول لأ من غير ما أعتذر بعدها.

لكن الفرق إن الخوف ما بقاش هو اللي بيختار عني.

بدأت أروح جلسات دعم نفسي مع أخصائية متخصصة، واتعلمت إن التعافي مش خطًا مستقيمًا، وإن ممكن أكون كويسة يومًا، ومتعبة اليوم اللي بعده، من غير ما ده يمسح أي تقدم عملته.

وفينسينت، من ناحيته، بدأ يتكلم عن صوفيا أكتر.

في إحدى الأمسيات، كنا قاعدين في المطعم بعد ما قفل، لما طلع صورة صغيرة من محفظته.

كانت صورة بنت شابة بشعر بني طويل وابتسامة واسعة.

“دي صوفيا.”

أخدت الصورة بحذر.

“كانت جميلة.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“كانت بتضحك بصوت عالي، وبتحب تعاندني في كل حاجة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *