الساعه تسعه

لكن فينسينت كان بيقول إن من حقي أختار.

بعد لحظات، أخدت نفسًا طويلًا، وخطيت خطوة واحدة لجوه المطعم.

وبعدين خطوة تانية.

لحد ما وصلت للكاونتر.

حطيت إيدي عليه وقلت: “أنا هقدر.”

فينسينت هز راسه.

“أنا مصدقك.”

ما قالش إنه هيحميني من العالم كله، ولا وعدني إن الحياة مش هتوجعني تاني.

اكتفى بأنه وقف بعيدًا، واداني الفرصة أرجع أقف على رجلي بنفسي.

وده كان أكتر شيء احتجته.

مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ حاجات صغيرة عن فينسينت ما كنتش أعرفها.

كان بييجي المطعم كل صباح تقريبًا، ويقعد على نفس الترابيزة القريبة من الشباك.

كان بيشرب قهوته من غير سكر، وبيقرأ الجريدة الورقية رغم إن كل الناس حواليه كانت بتستخدم الموبايلات.

وكان دايمًا يسيب كرسيًا فاضيًا على الترابيزة.

في يوم، وأنا بقدم له القهوة، ما قدرتش أمنع نفسي من السؤال.

“هو حضرتك بتستنى حد؟”

رفع عينه من الجريدة.

“ليه؟”

“عشان الكرسي ده فاضي كل يوم.”

بص للكرسي.

وبعدين قال: “كان كرسي أمي.”

اتحرجت.

“أنا آسفة، ما كنتش أعرف.”

“ما تعتذريش. إنتِ ما عملتيش حاجة غلط.”

حط الجريدة على الترابيزة.

“أمي كانت بتحب تقعد هنا، عشان تشوف الناس وهي داخلة وخارجة. كانت تقول إن كل واحد داخل المطعم شايل حكاية، وإنك لو بصيت له كويس، هتعرف إذا كان محتاج أكل، أو كلمة طيبة، أو مجرد مكان يقعد فيه من غير ما حد يسأله عن حاجة.”

بصيت للكرسي مرة تانية.

“واضح إني كنت محتاجة كل ده.”

فينسينت رفع عينه لي.

“وإنتِ لقيتيه؟”

فكرت شوية.

“الأكل؟ أيوه.”

ضحك بخفة.

“والكلمة الطيبة؟”

ابتسمت.

“ممكن.”

“والمكان اللي تقعدي فيه من غير ما حد يسألك؟”

بصيت حواليّ.

“لسه بجرب.”

هز راسه وكأنه فهم.

بعدها بأيام، بقيت أقدر أقعد معاه خمس دقايق في نهاية ورديتي. نتكلم عن حاجات بسيطة، عن المطعم، وعن زباينه القدامى، وعن روزا اللي كانت بتوزع الحلوى على الأطفال حتى لو أصحابهم ما طلبوش حاجة.

وفي مرة، حكيت له عن أمي.

كانت ماتت وأنا في العشرينات، قبل ما أتجوز مارك بوقت طويل، وكانت دايمًا تقول لي إن البيت اللي مفيهوش رحمة، مهما كان كبيرًا، يفضل أضيق من غرفة صغيرة فيها محبة.

لما خلصت كلامي، فينسينت فضل ساكت شوية.

وبعدين قال: “أمي كانت هتحبك.”

ابتسمت بحزن.

“ليه؟”

“لأنك لسه بتحاولي تبقي طيبة، رغم إن الدنيا ادتك أسباب كتير تخليكي تقسي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *